في المفاوضات -أي مفاوضات- لا بل وأي علاقة بين البشر وحتى من هم سواهم من المخلوقات، لا تعني الموافقة، خاصة إن كانت على مماطلة أو مراوغة، لا تعني ضعفا وإنما أحد أمرين: إما شراء للوقت لتحقيق أمر ما، لدى أحد طرفي التفاوض، وإما -وهو الأخطر- إسقاط ما يراه المتحمسون بالإسراع في حسم المفاوضات، نزعا لآخر قناع عن الوجه السافر للقوة، أو إسقاط ما تبقى من ذرائع قانونية أو أخلاقية، كتلك التي تتعلق بالرأي العام لدى أحد الطرفين أو كلاهما، أو ما يسمى تجاوزا «المجتمع الدولي».
في الثقافة الأمريكية، كما هو في الأوساط السياسية والعسكرية عبر التاريخ، على اختلاف ثقافات المتحاربين وأسباب صراعاتهم، يحسب الحكماء ألف حساب وحساب -بعيدا عن قصص ألف ليلة وليلة- يحسبون حساب ما يبدو نصرا سهلا أو سريعا، أو تنازل من هو في موقع القوة، عما هو جلي أنها مطالب لها سقوف زمنية.
بصرف النظر إن كنا نتحدث عن ملفات إيران أو أذرعها، فإن الطرف الآخر ليس أمريكا وحدها. فما هو قيد التفاوض -وتحت النار- يعني العالم بأسره، وليس الدول المتضررة من سياسات نظام ملالي طهران منذ ما سمي ثورة خميني قبل سبعة وأربعين عاما. القضية الجوهرية كانت وستبقى، هي الأسس التي قام عليها النظام من حيث «الشرعية والأهداف» وهي غير سرية ومعلنة إلى حد التحريض وبقوة المفخخات والمتفجرات وحتى المخدرات، وقد صارت والحمد الله مصنفة من أسلحة الدمار الشامل والمصنعين والمهربين والمروجين لها من العصابات الإرهابية. القضية ما كانت يوما قنبلة نووية، ولا صواريخ عابرة للحدود، بالستية أو فرط صوتية، فنادي تلك الأسلحة الفتاكة ليس بصغير، وقد دخلته تحت أنف «الشرعية الدولية» بسبب سكوت بعض رعاتها على سلوك النظم المارقة والتنظيمات العابرة للحدود. أوضاع مزرية خطرة، إن كان مسكوت عنها إقليميا ودوليا في ظل نظام القطبية الثنائية وأحادية القطب، فإنه قطعا لن يكون مقبولا في عالم آخذ بالتشكل الآن، بعيدا عن تلك الصيغتين.
مبدأ «دونرو» يريد إعادة التموضع الاستراتيجي والعسكري وتركيز القوى الأمريكية بأشكالها، والتي لن تبقى محصورة بالعسكرية ولا بملف الطاقة وحدها، يريد التركيز على النصف الغربي للكرة الأرضية. الأولوية الملحة وقبل 2028 هي كسب السباق مع موسكو وبكين، في ظل تراجع أوروبا والظلال التي تخيم على مستقبل «الناتو» بتصوره التاريخي التقليدي، وصعود أقاليم أخرى من بينها الشرق الأوسط والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا.
لا تريد أمريكا الانسحاب قبل ترتيبات تضمن عدم الحاجة إلى إرسال حاملات الطائرات، أو أنظمة الدفاع «ثاد» و»باتريوت» أو الاضطرار إلى إنزال بري حتى وإن كان محدودا ناجحا كالذي تم في كراكاس. القضية إضافة إلى ما تقدم هي العقيدة التي تقف خلف السلوك، وتراها أمريكا بحزبيها الجمهوري والديموقراطي ومؤسساتها الدفاعية والأمنية، تراها خبيثة أيضا، ومحرضة على الكراهية، وأخطرها الكراهية الدينية، والتحريض على العنف، وإقصاء الآخر وتكفيره، وتوتير العلاقات المدنية وتعطيلها وتخريبها، كما هو الحال في الدور الذي قررت إدارة ترمب التصدي له، فيما يخص فروعا لجماعة الإخوان المسلمين -بدأ بمصر ولبنان والأردن- والتي ألمح مسؤول مكافحة الإرهاب في إدارتيه الأولى والثانية الدكتور سباستيان غوركا ألمح إلى حظرها كليا في أمريكا، بعد استيفاء خطوات قانونية ومراعاة محظورات تتعلق بدول كان من المقبول أو حتى المطلوب رعايتها لما سمي بالإسلام السياسي والعسكري في نسختيه «السنية والشيعية».
القضية الجوهرية هي إنهاء احتكار السلاح والتعامل فقط مع حكومات الدول، حتى وإن كان لدى واشنطن تحفظات على «ديموقراطيتها» أو سجلها في الحقوق المدنية وحتى الإنسانية. بالتالي من غير المقبول أو المعقول التراجع عن الشروط الأربعة التي أعلنها ترمب: الملف النووي والباليستي والمليشيات ودور إيران الإقليمي والدولي كدولة «راعية للإرهاب»، فضلا عن القمع الوحشي الذي شهدته إيران خلال الانتفاضة الشعبية الأخيرة التي ما زالت جمرا تحت رماد، سرعان ما سيتلاشى مع انهيار مفاوضات مسقط أو أي مكان آخر!
المطلوب عمليا، تغيير البنية الجينية «الوراثية» للنظام، وليس فقط تعديل سلوك دولة داخل دولة، فإما هناك جمهورية تعتبر نفسها إسلامية في إيران بخريطتها الراهنة، وإما هناك دولة تتعامل مع الأسرة الدولية والنظام العالمي الآخذ بالتشكل بالمعايير التي باتت واضحة المعالم وهي اقتصار دور المرشد أو الرئيس على خدمة الإيرانيين في أمنهم وأمانهم وأرزاقهم في بلاد فيها من الثروات ما لا يقتصر على ما وصف ترمب «محيط من النفط والغاز».
وعليه كان متزامنا ذلك الضغط الأوروبي في إعلان الحرس الثوري منظمة إرهابية، فالمطلوب من إيران التي يتم التفاوض مع الممسكين بمقاليد السلطة الآن هو جيش نظامي لا حرسا ثوريا ومليشيات ومخابرات عسكرية لها وزارة كانت ضليعة بتجارة الموت في عدة ساحات شرق أوسطية من اليمن إلى أفغانستان ومن العراق إلى سورية ولبنان وغزة والضفة الغربية حيث تلعب إيران ومازالت دورا يشابه ما أسفر عن كارثة السابع من أكتوبر 2023 من حيث إدخال ممارسات الحرس الثوري الإيراني إلى الساحة الفلسطينية و»ساحات» أخرى ظنتها سهلة الاختراق كاللبنانية والسورية والعراقية واليمنية. السكوت عن ذلك الدور بلغ المسيرات والصواريخ التي دخلت في لعبة الصراع الدامي في قلب أوروبا وحضن الأطلسي والفضاء الروسي -السوفيتي- سابقا.
إن أحسن القائمون على «تشخيص مصلحة النظام» في إيران الحالية، لحرصوا على إدامة المفاوضات الجادة دون مكابرة أو مزاودة مع إدارة ترمب و»الوسطاء» الجديرين بالثقة، فالمراهنة على ملفات داخلية أمريكية، رهان خاسر، سينتهي على نحو كارثي ودون أن تنزلق الحرب المرتقبة إلى حرب «إقليمية» كما يتمنى أو «يتوهم» خامنئي بحسب تعقيب ترمب الأسبوع الماضي: سنرى من يحمل «وعيده» المصداقية؟
للأسف، ما زالت الأصوات المدمنة على اجترار الأسطوانات المشروخة التي تكررت من العراق إلى سورية إلى ليبيا، ما زالت ترى في استجابة ترمب «رضوخا» للندية الإيرانية، بأن تكون المفاوضات بلا حضور عربي وإسلامي وفي مسقط بدلا من إسطنبول، وربما الدوحة لاحقا كخيار بديل عن خروج الطلقة الأولى من بيت النار.. المشكلة لم تكن فيما تخشاه طهران من حيث تخلي سورية وعراق البعث وليبيا القذافي «الجماهيرية العظمى» عن أسلحة الدمار الشامل، المشكلة كانت في طموحات -مغامرات- تلك الدول الإقليمية التي توهمت أنها من الدول العظمى! فما كانت كذلك إقليميا ولا حتى داخليا، إثر السقوط المروع لأنظمتها وحالة الخراب التي يتطلب النهوض منها ربما عقودا، هذا إن كفت آلة الحرب والقمع عن حصادها المرّ لمقدرات شعوب آن الأوان أن يتم انعتاقها، ورد اعتبارها برد حقوقها فيما تحويه البلاد من نعم وبركات.
