عروبة الإخباري –
في عالم ينسى سريعًا، ويختزل التاريخ في صفحات مكتوبة، يقف المهندس محمد خلف العساف، كرمزٍ حيّ للذاكرة والإصرار، رجل لا يعرف الكلل، ولا يملّ من الحفر في أعماق الذكريات التي تتوارى عن الأعين، ليخرج منها الذهب النقي للحكايات التي لا تُنسى، فإصراره غريب وعجيب، قوة داخلية تشبه نهرًا جارٍ، لا يتوقف عند شيء، وفي كل مرة يُعيد الحياة لما كان يختبئ في طيات الزمن.
المهندس العساف إنه حارس الذاكرة، وقاهر النسيان، وراوي الأساطير الحقيقية، وبفضل مثابرته وعشقه العميق للتاريخ والتراث، تتحول الأرض والمكان والحدث إلى صور نابضة بالحياة، وكأن الماضي يطرق أبواب الحاضر ليحكي نفسه بنفسه.
في قلب تلاع العلي، حيث تتشابك الأرض بالزمن، وتقف التلال شاهدة على تاريخٍ عريق، تبرز أرض الحاضِنة كلوحة أسطورية من الفخر والشهامة، مسرحًا للأحداث التي صاغت هوية المجتمع وجعلت من كل شبر فيها صفحة تروي المجد.
ليست الأرض مجرد تربتها وخصوبتها، بل حضن للتقاليد، وملتقى للبطولات، ومصدر إلهام للأجيال. على هذه الأرض، ارتفع صيت عشيرة العساف، وكان الشيخ محمد بن فياض العساف رمز الكرم والشهامة، رجلٌ ارتبط اسمه بمجد المنطقة، وحكاياته تتردد في كل بيت وزقاق.
هنا، في فضاء الفروسية والمجد، جرت السباقات التي امتدت صداها إلى كل أرجاء المملكة، وكانت ميدانًا للتحدي، حيث تجتمع الشجاعة والفروسية في أروع صورها. ومن بين تلك اللحظات، يسطع التاريخ بألوانه: زيارة الأمير عبدالله الأول بن الحسين، واحتفال اليوبيل الذهبي لجلالة الملك الحسين بن طلال، حيث تجلت روح الأرض كمركزٍ للكرم والفخر الوطني.
وفي زمن حديث نسبيًا، ظلّت أرض الحاضِنة شاهدة على النشاط الاجتماعي، من بطولة كرة القدم عام 1993 التي جمعت الفرق المحلية، وأظهرت روح المنافسة والاحتفال الجماعي، لتظل الأرض نبضًا حيًا للذاكرة الجمعية.
لكن ما يجعل هذه الأسطورة أكثر عمقًا وأصالة هو المهندس محمد خلف العساف، الذي يمتلك حالة إصرار غريبة وعجيبة، لا تتوقف عند مجرد التوثيق. في كل مرة، يحفر في أعماق الذاكرة، يستخرج الذكريات التي لا تُنسى، ويعيدها إلى الحياة، لتصبح الأرض ليست مجرد تاريخ مكتوب، بل رحلة حية في قلب الحاضر والماضي معًا. هو الذي يجعلنا نرى الأحداث كما لو أنها تحدث أمام أعيننا، ويعيد لكل حجر وكل تل في أرض الحاضِنة قصته المشرقة، بكل تفاصيلها وروعتها.
اليوم، ومع تغير الزمن وتبدل الأحوال، تبقى أرض الحاضِنة أسطورة حية، مصدر إلهام، وشاهدًا خالدًا على الكرم والفروسية والاجتماع والذكرى. لكل من يمشي على تربتها أو يسمع حكاياتها، يشعر بأن التاريخ لا يموت، وأن ذاكرة المكان، بحضوره ومثابرته، قادرة على أن تحيا فينا إلى الأبد.
