رغم مرور خمسين عاماً على رحيلها في عام 1975، لا تزال أم كلثوم حاضرة بقوة في الذاكرة الموسيقية خارج العالم العربي، وخصوصاً في تركيا، حيث يُنظر إلى صوتها بوصفه حالة فنية استثنائية تخطّت حاجز اللغة ووصلت مباشرة إلى وجدان المستمعين. من القاهرة انطلق صوت «كوكب الشرق» ليعبر الجغرافيا والثقافات، ويجد صدى واسعاً في إسطنبول ومدن تركية أخرى، لدى جمهور لا يفهم العربية لكنه يتفاعل مع العمق العاطفي في أدائها.
الفنان التركي عارف ألتون قايا يتحدث عن أول مرة استمع فيها إلى أغنية «أنت عمري» لأم كلثوم في منتصف العقد الأول من الألفية، قائلاً إن وقع صوتها عليه كان صادماً ومُلهمًا في آنٍ واحد، إذ شعر أنه أمام مستوى فني يفوق ما اعتاده في تجاربه الموسيقية. هذا التأثير الشخصي يعكس ظاهرة أوسع، وثّقها الكاتب التركي مراد أوزيلدريم في كتابه «أم كلثوم والأتراك»، حيث يؤكد أن لتركيا واحدة من أكبر القواعد الجماهيرية لأم كلثوم خارج العالم العربي.
ويعود حضورها المبكر في الوعي التركي إلى ثلاثينيات القرن الماضي، في مرحلة شهدت تحولات ثقافية وسياسية، من بينها حظر مؤقت للموسيقى الكلاسيكية التركية في الإذاعة؛ ما دفع المستمعين للبحث عن بدائل في البث المصري الذي كان آنذاك الأقوى في المنطقة. كما لعبت السينما المصرية دوراً في ترسيخ شعبيتها، إذ عُرضت بعض أفلامها في صالات إسطنبول، فتعرف الجمهور على صوتها وصورتها في زمن ما قبل التلفاز.
ولم يتوقف تأثير أم كلثوم عند حدود الاستماع، بل انعكس على المشهد الموسيقي التركي نفسه، سواء من خلال أسلوب الأوركسترا الكبيرة أو عبر اقتباس ألحانها لاحقاً في موسيقى «الأرابيسك» بكلمات تركية. اليوم، لا تزال أغانيها تُطلب في الحفلات، في دليل حي على أن الصوت الصادق قادر على عبور اللغات وبناء ذاكرة مشتركة بين الشعوب.
