عروبة الإخباري –
بكلّ صدق، كانت كلمة الكاتبة والإعلامية د. زينة جرادي، في حفل إطلاق رواية «تحت أغصان شجرة التين» أكثر من مجرّد خطاب افتتاحي؛ كانت قطعة أدبية قائمة بذاتها، نصًّا نابضًا بالإحساس، يوازي في جماله وعمقه النصّ الذي جاءت لتقدّمه. لقد قدّمت نموذجًا للكلمة التي تُكتب بالقلب قبل القلم، وتُلقى بروح من تعيش الأدب لا من تتعامل معه كمهنة.
زينة جرادي لم تتحدّث عن رواية، بل أعادت خلق عالمها أمام الحضور كانت كلماتها جسورًا بين النصّ والناس، بين الذاكرة والواقع، وبين الألم الإنساني وقدرته على التحوّل إلى أدب خالد، أسلوبها اتّسم بلغة عالية الرهافة، شاعرية دون تكلّف، وعميقة دون غموض؛ لغة تعرف كيف تلامس الوجدان وتوقظ الصور في المخيّلة.
قوّة كلمتها تجلّت في صدقها. حين قالت إنها لا تقف كناشرة فقط بل كشاهدٍ على عملٍ نُسج بالذاكرة، شعر الحضور أنّهم أمام إنسانة تؤمن حقًا بأن الأدب مسؤولية أخلاقية وذاكرة حيّة، لا مجرد منتج ثقافي. هذا الوعي جعل خطابها يحمل بُعدًا إنسانيًا كبيرًا؛ فهي لم تُسوّق للرواية، بل دافعت عن قيمة الحكاية نفسها، عن حقّ الذاكرة في أن تُروى.
كما أظهرت براعة نادرة في قراءة رمزية العمل، خصوصًا في حديثها عن شجرة التين، حيث حوّلتها من عنصر سردي إلى كائن حيّ، شاهدٍ على الزمن، وحارسٍ للأحلام والانتظار والحنين. هذا العمق في التناول يعكس قارئة واعية وناشرة مثقفة تدرك قيمة الرمز في الأدب، وتعرف كيف تضيء للقارئ مفاتيح النص دون أن تنتزع منه متعة الاكتشاف.
ومن الناحية المهنية، قدّمت جرادي مثالًا راقيًا لدور الناشر المثقف: ناشر يختار نصوصًا تشبه الناس، وتحمل صوتهم وتجاربهم، وتؤمن بأن الأدب يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الوفاء للإنسان والأرض والذاكرة. هذا الموقف الثقافي الواضح يمنح دارها هوية ورسالة، لا مجرد قائمة إصدارات.
كلمتها كانت دافئة، عميقة، ومسؤولة في آنٍ معًا؛ جمعت بين البلاغة والصدق، وبين الجمال والمعنى. تركت أثرًا في النفوس لأنها خرجت من تجربة حقيقية وإيمان حقيقي بقيمة الأدب.
ختاماً، فإن زينة جرادي، في تلك الأمسية، كانت صوتًا للذاكرة، ووجهًا ثقافيًا مشرفًا، ومثالًا للإعلامية والأديبة التي تعرف كيف تمنح الكلمة وزنها وقيمتها. كلمتها كانت تليق بالرواية، وتليق بالحضور، وتليق بمكانة الأدب نفسه
