قراءة بعض الأخبار التي يندى لها الجبين تُثقل القلب. وبعض التعليقات الواردة فيها تدميه.. ما ضجت به أنباء الإفراج عن الدفعة «الأخيرة» من ملفات المجرم المدان قضائيا و»المنتحر» -بكسر الحاء أو فتحها- جيفري إبستين، فتح أشبه ما يكون ب «صندوق بندورا» تلك الأسطورة الإغريقية. ليس فضولا، بقدر ما هي تصفية حسابات، سرعان ما تلقّفها الكثير من الأعداء الذين وصلت بينهم العداوة إلى حد كسر العظم، لا بل تهشيمه.
مما زاد دموية على هذا الجرح الغائر في ضمير الإنسانية كلها، هي تلك الشهوة التي زادت من فظائع وأهوال الكبائر التي تم اقترافها هناك، وبعضها موثق إلكترونيا ومسجل بالصوت والصورة عبر الهاتف النقال أو الميكروفونات والكاميرات الخفية، بعلم أو جهل الساقطين في براثن ما لم تشهد له البشرية من فظائع، منذ ما قبل جاهليتها الأولى.
وكما هو حال منذ عقود، منذ انفلات وتغوّل صحافة الإثارة ومنها ما تعرف بالصحافة الصفراء، يستسهل فاقدو الضمير قبل المهنية، ويستمرئون الخوض في سمعة الناس، حتى وإن كان ذلك الجاني أو تلك الضحية، عدوا شرسا ومن ألدّ الخصام. وتبلغ الجراءة على آلام الضحايا وأسرهم، الدرجة التي لا تراعى فيها الحرمات البشرية ولا الكرامات الإنسانية. ضحية واحدة -لن أذكر اسمها- تمكنت نهاية العام الماضي من الخروج عن صمتها، وكشفت في كتاب بعض ما اقتُرف بحقها من جرائم في تلك الجزيرة الملعونة. وقد تصدر كتابها لائحة مبيعات العام في الكتب في أمريكا، وعدد من دول العالم «الأول»! لست أدري إن كان رواج الكتاب على نية التعاطف مع الضحية أم التشفي بالمجرم المزعوم ولن أذكر اسمه أيضا للاعتبار عينه.
الخطر في استسهال تداول تلك الأخبار والتفاصيل والفيديوهات فيه جريمة لا تقل انحطاطا واعتداء على الأبرياء، عما تعرّض له الأطفال والقاصرات من أهوال، عبر سنين طوال، كانت الدفعة الأخيرة مما أفرجت عنه وزارة العدل الأمريكية، ثلاثة ملايين صفحة..
إفشاء الفاحشة جريمة كبرى وخطيئة أكبر، حيث تتحول هذه المَدْبَرة من التراشق بالاتهامات، بصرف النظر عن صحتها وحتى دقتها، تتحول إلى مَجْمَرة لا تضيف إلى عذابات الضحايا وأسرهم فحسب، بل وتعمل عمل الترويع والإرهاب الذي يحقق بعضا من أجندة إبستين اللعين، ومشغليه وزبانيته وزبائنه المجرمين، لعنة الله عليهم أجمعين.
ليس سرا، ولا يتطلب الأمر خبرات تحقيقية فذة -جنائية أو صحفية- لمعرفة أن جانبا مما حققته تلك الجزيرة الشيطانية قائم على الإغواء والإسقاط، فالابتزاز والعمالة والخيانة بكل أشكالها، في نهاية المطاف. وليس خافيا ولا خفيا عن أي عاقل أو حكيم، أن فضائح دامية من هذا النوع، كما من قبل تسريبات ويكيليكس التي اختلط فيها الحابل بالنابل، إنما هي أكثر تعقيدا مما قد تبدو. يكفي أن نعرف أن من بين المطروح منحهم عفوا رئاسيا وربما حصانة، هو إدوارد سْنودِن الذي كان يعمل لصالح جهاز الاستخبارات الوطنية المعروف اختصار ب «إن إس إيه» وانشق وهرب إلى روسيا وتمتع بحمايتها وجنسيتها لفضح «الطابق» كله بصرف النظر مرة أخرى عن دقة أو صدق أو بطلان مزاعمه.
ورود بعض الأسماء من عالم السياسة أو المال والأعمال، أو المشاهير -السينما والرياضة والأزياء- وحتى عالم الخبراء والعلماء، يضرب الحابل بالنابل على نحو مربِك ومدمِّر، فيما قد يكون من الهزات الارتدادية المحسوبة أو العشوائية لتسونامي الفضائح أو التسريبات التي تَقرر عمدا، في توقيت ما، من جهة ما، تحويلها من «سْكوب» صحفي حصري، إلى «هاشتاقات وترندات» وفضائح مجلجلة!
وسط كل ما تم كشفه حتى الآن، الرابح الوحيد هم أجهزة إنفاذ القانون والعدالة الأمريكية. في أقل من عام، تمكنت إدارة ترمب من العثور على عشرات ألوف الأطفال المفقودين في عمليات تهريب البشر من الحدود الجنوبية عبر المكسيك، حيث التحالف الشيطاني بين تجار السموم المسماة المخدرات، وكارتيلات العصابات الإجرامية المنظمة العابرة للحدود، وتجار البشر، بمن فيه تجار الأعضاء البشرية بيعا أو انتزاعا وسرقة من الأحياء والقتلى و»الموتى»، والرق الجنسي من كل الأعمار، ومن الجنسين، والعياذ بالله.
ربما يعلم أكثر من غيرهم المعنيون بمكافحة الإرهاب والجريمة، دور الإعلام الحاسم في الوقاية من الغواية قبل أن تسرق سكين الإدمان والجرائم بأنواعها الرقاب والأسر والمجتمعات نياما!
قد يكون من الأفضل وعوضا عن مشاركة تلك التفاصيل المرعبة المشينة، تداول مقاطع توعوية مؤثرة من الفيلم الأمريكي المتميز «صوت الحرية» قبل ثلاث سنوات، وهو من بطولة النجم العالمي جيم كافيزل الذي اكتسب شهرته العالمية من فيلم «آلام المسيح».
اللهم بارك وانصر رجال إنفاذ القانون في العالم كله، سيما رجال الأمن والاستخبارات وحرس الحدود.. يعلم الله وحده ما يعرفون أدق تفاصيله من أهوال، يحرصون على إبقائها قيد الكتمان، حتى يتمكن الناس من النوم هانئين بأمن وأمان.
ولتكن تلك المأساة، نذيرا يدق ناقوس الخطر من الحروب والفوضى لأنها «الساحات» المثالية لتلك الأنواع من الجرائم المشينة. ولتكن عملية كشفها بشيرا يشد من عزم رجال الأمن النشامى، ويلتف الناس من حولهم عونا وإسنادا وحبا تكريما، فلم تعد وحدها الحكومات أو النظم أو حتى الدول هي المستهدفة من أولئك الشياطين والأبالسة، بل الأوطان والمجتمعات والأسر..
اللهم احفظ الأردن وأمريكا والعالم كله من عصابات الأشرار، الظاهرين والباطنيين والمتوارين عن الأنظار خلف أقنعة الخداع والمكر الذي لن يحيق إلا بأهله.
