ورثت عن جديَّ الصوفيّيْن -عليهما رحمة الله ورضوانه-ما تعلمته في الصغر، بضرورة ترك الأمور «على التساهيل». أكثر ما يتم تفعيل هذا السلوك -وأصله اعتقاد- هو ما ييسر الله قضاءه، فإنْ تيسّر مضينا قدما، وإن تعسّر التمسنا العذر بالتريث، أو الإرجاء، أو إلغاء الأمر برمته.
أعلم -وقد حذرني من أثق بعلمهم- أن التمييز واجب في عدم الوقوع في شُبهة التطيّر، فذلك منهيُّ عنه. لكن لا ضير من اعتماد وصية راسخة في تراثنا الروحي، ألا وهي التفكّر والتدبّر حتى في حياتنا اليومية التي نظنها عادية وبسيطة.
بدأ الأمر في عطلة نهاية الأسبوع، بعد أيام ثقيلة من العاصفة الثلجية «فيرن»، وزادت عليها حالة الترقب ما بين خطر اندلاع حرب إيران، وما بين الأمل في تفاديها، ووقف حرب أوكرانيا أيضا، والانتقال بسلاسة إلى تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، هذا فضلا عن حالة ترقب مالية تشريعية إجرائية، تتعلق بشبح «الإغلاق الحكومي» الأمريكي الذي خيم على الجميع رغم استبعاده سياسيا، لعدم كفاية الأصوات لدى المشرعين «الديموقراطيين»، في مجلسي الشيوخ والنواب.
مع تحسن حالة الطرق الداخلية، كان الناس وكأنهم في أيام عيد! وبيننا وبين «الفالنتاين» فسحة كافية لتفادي حمى التسوق. لكن البرد القارس والتململ من حصر الناس في بيوتهم لما لم يقل عن أربعة أيام، أشعل جذوة التسوق في عزّ البرد والزمهرير، وقد توالت درجات الحرارة بالانخفاض إلى ما تحت الصفر المئوي بأربع عشرة درجة مئوية.
عند مغادرة بيتي، يمّمت صوب مركز تجاري ضخم في المقاطعة، في جواره متجر شامل للمواد الغذائية «العضوية» -غير المعدّلة وراثيا، والنظيفة من المبيدات الزراعية الكيماوية، والمواد «المُهرمَنة»- ومركز تسوق آخر لمكتبة شاملة، تلك التي تجمع ما بين الكتب والمجلات والصحف والدوريات المتخصصة، والقرطاسية، بل وتضاف إليها ألعاب الصغار والكبار بأنواعها التقليدية والإلكترونية. حتى لا ينزلق الكلام إلى محظورات ومحاذير الدعاية والإعلان، أكتفي بالقول إن تلك السلسلة من المكتبات الأمريكية العريقة، تتضمن جناحا خاصة لتشجيع الأطفال والوالدين على القراءة الجماعية، وزاوية أخرى تُكرّس -حسب الطلب- لعرض مؤلف لكتابه، في دعوة عامة للقراء، تليها مبيعات لنسخ خاصة تحمل سعرا أعلى، لتضمينها توقيع المؤلف لا «ختم أو دمغة» الطابع أو الناشر!
بعد أن فقدت إحساسي بالزمن! كما هي عادتي عند دخول أي مكتبة، استفقت على رسالة نصية أسرية، تستفسر إن كنت قد قررت أثناء التسوق، الدخول إلى صالة عرض لمشاهدة الفيلم الوثائقي الخاص بالسيدة الأولى ميلانيا ترمب. لكني نسيت الانتخابات ونتائجها وشراء الخضراوات والفاكهة العضوية، من الإقبال اللافت على شراء الكتب، وليس القرطاسية أو هدايا «عيد الحب»!
ساعتان أمضيتهما في تلك المكتبة الدافئة، المحاصر مدخلها بجبال من الثلج المتراكم على هيئة كثبان ناصع بياضها، بعد كسح الثلج إثر تجلده من الصقيع. ساعتان ونيّف خرجت بعدها محملا بما «لذّ وطاب» من الكتب، من بين عناوينها ما يتعلق بالصحة النفسية-العقلية وبشكل أدق يتحدث الكتاب عن كيفية التخلص -أولا بأول- من سموم «الدماغ والعقل».. وكتاب آخر موضوعه الرياضات البدنية الخاصة بكبار السن أو «الشباب» الكبار، فالفقير إلى الله، تجاوز -لغةً- الكهولة، كوني صرت منذ عامين ستّينيّا. أما الثالث، فكان عن فسلفة ونشأة وعمليات «دلتا فورس»، قوات النخبة في العمليات الخاصة السرية. بطبيعة الحال، لم يتضمن الكتاب بعد، في نسخته الحالية، عملية «العزم التام أو المطلق» في كراكاس، وجلب رئيس نظام فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته إلى العدالة الأمريكية، في ليلة «ما فيها ضوْ قمر»!
رب ثلجة تكون ساخنة -تسويقيا على الأقل- كما شهدتها عن قرب في مكتبة بضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن، والأمل معقود بأن يستجيب العقلاء لنداء السلام، فلا تكون عملية وصفها ترمب بأنها «أكثر سوءًا» على إيران من «مطرقة منتصف الليل» التي حسمت حرب «الاثني عشر يومًا»..
