قال الحاكم السابق لجمعية الليونز الدولية – المنطقة 351 فادي غانم ، إن ما يجري اليوم على منصّات التواصل الاجتماعي لم يعد نقاشًا سياسيًا، ولا يمتّ إلى الاختلاف الديمقراطي بصلة. ما نشهده هو انهيار أخلاقي كامل للخطاب العام، وانحدار غير مسبوق في اللغة، حيث تحوّلت الصفحات والمنصّات إلى ساحات شتم، وتخوين، وتصفية حسابات، وكأن السياسة فقدت معناها، والعقل غادر المشهد، وبقيت الغرائز وحدها تتصدّر.
وتابع غانم:
لسنا أمام آراء متعارضة، بل أمام سوق مفتوح للسباب. مناصرو هذا الفريق وذاك يتبارون في الإساءة، لا في تقديم رؤية، يتفنّنون في التشهير، لا في الإقناع، ويقيسون “الانتصار” بعدد الشتائم لا بقوة الحجة. هذه ليست سياسة، بل تجرزم لغوي منظم يدمّر ما تبقّى من مساحة مشتركة بين اللبنانيين – أو بين أبناء أي وطن يمرّ بهذه التجربة .
وأضاف:
الأخطر أن هذا الانحدار لم يعد استثناءً، بل أصبح القاعدة. لغة الإقصاء حلّت مكان لغة النقاش، واستهداف الأشخاص صار أسهل من مواجهة الأفكار، وكأن العجز عن التفكير يُعوَّض بالصراخ، والفشل في الإقناع يُغطّى بالشتيمة.
وأوضح غانم أن منصّات التواصل، بخوارزمياتها العمياء، تتحمّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية. فهي تكافئ الغضب، وتضخّم الانفعال، وتمنح الانتشار لمن يصرخ أكثر ويهين أكثر.
وأشار إلى أن هذا الواقع لا يعفي المستخدمين، ولا الصفحات، ولا المواقع الإلكترونية من مسؤولياتهم، مؤكدًا أن الحرية لا تعني الفوضى، والرأي لا يعني الانحدار، والسبق الصحافي لا يبرّر الانحطاط.
ولفت إلى أن المواقع الإلكترونية التي فتحت أبوابها لكل خطاب مسموم تحت شعار “حرية التعبير”، عليها أن تسمع هذا الكلام بوضوح:
كونوا على المستور.
أنتم لستم منصّات تفريغ غضب، ولا حاويات نفايات لغوية. أنتم شركاء في تشكيل الوعي العام، ومسؤولون مباشرة عن مستوى الخطاب، وعن الجيل الذي يقرأ ويتأثر ويتعلّم منكم. كفى تطبيعًا مع اللغة الهابطة، وكفى تبريرًا للانحطاط تحت عناوين زائفة.
وتابع غانم:
تداعيات هذا المشهد خطيرة. النقاش السياسي أُفرغ من مضمونه، المشاركة المدنية تراجعت، وأصحاب الرأي الهادئ انسحبوا، لأن الساحة صارت عدائية، ملوّثة، وغير آمنة فكريًا. والأسوأ أن الأجيال الشابة تنشأ على هذا النموذج، فتتعلم أن الشتيمة موقف، وأن التخوين رأي، وأن رفع الصوت يغني عن التفكير.
وأضاف موجّهًا كلامه إلى الشباب:
وهنا، لا بد من كلمة قاسية وواضحة إلى الشباب، لأنهم في قلب هذا المشهد:
ارفعوا الخطاب، لا تنحدروا معه.
أنتم لستم وقودًا لحروب كلامية، ولا أدوات لتكبير الكراهية. من يريد استخدامكم للسباب لا يريد وطنًا، بل فوضى. الاختلاف حق، والاعتراض مشروع، لكن الانجرار إلى لغة الانحطاط هو هزيمة ذاتية قبل أن يكون مواجهة مع الآخر.
وشدّد غانم على أن الوطن لا يُبنى بهذه اللغة.
لا يُبنى بالشتائم، ولا بالتخوين، ولا بإلغاء الآخر.
الوطن يُبنى حين نختلف بلا كراهية، ونعارض بلا تشويه، وننتقد بلا انحطاط. يُبنى حين نعيد للعقل مكانه، وللكلمة وزنها، وللأخلاق دورها في الحياة العامة.
وختم بالقول:
نعم، نريد خطابًا سياسيًا حادًا، جريئًا، صريحًا.
لكننا لا نريد خطابًا مريضًا.
نريد نقاشًا قويًا لا منحطًا، اختلافًا واضحًا لا مسعورًا، وسياسة تُدار بالأفكار لا بالسباب.
كفى تجرزمًا.
نريد أن نعيش في وطنٍ صحي، لا في ساحة شتائم مفتوحة.
نريد لغة تشبه المستقبل، لا مرآة لانهيارنا
