ما فعلته السعودية في موقفها من أي عمل عسكري ضد إيران لا يمكن قراءته كحدث ظرفي مرتبط بتصعيد عابر، بل كـ إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الخليج.
طوال العقود الماضية، بُني أمن الخليج على معادلة بسيطة وخطيرة:
قوة خارجية تحمي، ودولة إقليمية متمرّدة تُرهب.
في هذه المعادلة، لعبت إيران – بوعي أو من دونه – دور “شرطي الفوضى”:
تهديد دائم، توسيع نفوذ، إدارة أزمات، وصناعة توتر يمنحها وزنًا أكبر من حجم اقتصادها.
التحوّل في عقل الدولة السعودية
تحركت السعودية من موقع الدولة المتأثرة إلى موقع الدولة المُنظِّمة للصراع.
ليأتي القرار السعودي : كيف نواجه إيران؟
و تحول إلى سؤال أخطر:
كيف نمنع أن تكون الحرب أداة سياسية أصلًا؟
الرياض فهمت أن الحرب المقبلة – إن وقعت – لن تكون حرب حدود، بل حرب: ممرات .. طاقة .. اقتصاد .. استقرار داخلي
وبالتالي، من يتحكم بالممرات الجوية والبحرية هو من يتحكم بمستوى الاشتعال، لا بمن يملك أعلى نبرة خطاب.
حيث جاء الاستثمار السعودي في الإنسان، في الاقتصاد، وفي تحويل القوة من شعارات إلى مؤسسات.
تكسرت الصوره و سقط شرطي الخليج
اولا علينا ان نفهم كيف بنت ايران نفوذها الإقليمي على ثلاث ركائز:
الفراغ العربي
الغطاء الأيديولوجي
ضعف القرار الإقليمي المستقل
اليوم تغيرت تلك الركائز و تآكلت :
فلا فراغ مع عودة دول مركزية إلى الفعل (السعودية، مصر، الأردن)
الأيديولوجيا لم تعد وقودًا كافيًا في ظل أزمات اقتصادية خانقة
والقرار الإقليمي بدأ يتحرر من الوصاية الأمريكية المباشرة
إيران لم تُهزم عسكريًا، لكنها استُنزفت استراتيجيًا.
ولهذا نسمع لغة سلام… لا لأن طهران تغيّرت، بل لأن تكلفة الصدام لم تعد قابلة للبيع داخليًا.
اليوم .. السعودية كـ “حارس ميزان” لا طرف صراع
السعودية لم تقل: “نحن نحمي إيران”،
بل قالت:نحن نحمي فكرة الدولة من الانهيار الشامل.
و هنا كانت الضربة الحديديه .. فارق جوهري.
الدولة التي تمنع استخدام أراضيها للحرب لا تمارس ضعفًا، بل تفرض شروط الاشتباك.
هي لا تدخل المعركة، لكنها تحدد سقفها.
بهذا المعنى، تحوّلت السعودية من دولة تبحث عن ضمانات أمنية إلى دولة تمنح الضمانات للآخرين.
السعودية لاعب ماهر تعرف كيف ترسل رسائلها لكن بهدوء فكانت الرساله الخفية لواشنطن وتل أبيب
القرار السعودي رسالة مزدوجة:
لواشنطن … زمن استخدام الخليج كمنصة ضغط مجاني انتهى.
لتل أبيب … حروب الظل لا تمر عبر الرياض.
وهذا التحول يُفقد أي ضربة محتملة ضد إيران أحد أهم عناصرها: الشرعية الجغرافية.
الدولة لا تحتاج إلى رفع الصوت لإثبات حضورها.
اما الثورة تحتاج الضجيج كي لا تختفي.
إذا .. ما الذي تغيّر فعليًا في ميزان القوة؟
القوة لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ، بل بـ:
من يفتح السماء
من يغلق البحر
من يضمن تدفق الطاقة
ومن يمنع الانفجار الاجتماعي
في هذه المعادلة الجديدة:
بعبع الخليج “إيران ” تمتلك أدوات إزعاج
دراكولا الشرق “أمريكا ” تمتلك أدوات ردع
لكن السعودية تمتلك أداة الضبط لتكون كالنسر يضبط الإيقاع
وهذه أخطر أداة على الإطلاق.
الخلاصة الثقيلة:
إيران كانت شرطي الخليج حين كان الخليج ساحة.
أما اليوم، فالسعودية جعلت الخليج غرفة تحكم.
من يضبط الغرفة لا يحتاج أن يطلق النار.
يكفيه أن يعرف اي الأسلحة تناسب حجم عدوه
السعودية حين خرجت من منطق “الردّ” إلى منطق “إدارة التاريخ”* بقلم علا الشربجي
5
