عروبة الإخباري –
ليست الكتابة للطفل شأناً بسيطاً، ولا فعلاً عابراً في هامش الثقافة، بل هي أخطر أشكال الكتابة وأكثرها مسؤولية؛ لأنها تضع اللبنات الأولى في وعي الإنسان، وتشكل نظرته إلى ذاته، ووطنه، وتاريخه، والعالم من حوله، ومن هذا الأفق العميق، تتقدّم تجربة الكاتبة الأردنية رشا الدبابنة بوصفها تجربة استثنائية، لا تُقاس بعدد الكتب، بل بثقل الرسالة، وعمق الأثر، ونُبل الغاية.
لقد أدركت رشا الدبابنة، منذ بداياتها، أن معركة الوعي لا تُخاض في المنصات الصاخبة وحدها، بل تبدأ بهدوء من كتاب صغير، ومن قصة تُقرأ قبل النوم، ومن سؤال يطرحه طفل عن حجرٍ قديم، أو مدينةٍ منسية، أو اسمٍ محفور في ذاكرة الأرض، واختارت أن تكون كاتبة للجذور، لا للسطح، وأن تجعل من أدب الطفل مساحة وطنية بامتياز، تُستعاد فيها الهوية لا بالشعارات، بل بالمعرفة المحببة، والسرد الذكي، والخيال المؤسس على الحقيقة.
في مشروعها الأدبي، لا يظهر الأردن كخلفية صامتة، بل كـبطل مركزي. أرضٌ تحكي، وحجارة تتكلم، وتاريخ يمد يده للطفل قائلاً: أنا جزء منك، وفي سلسلتها الرائدة «اكتشف الأردن مع كرم»، لا نقرأ قصصاً فحسب، بل نخوض رحلة وطنية متكاملة، يتعلم فيها الطفل أن الآثار ليست أطلالاً بعيدة، بل شواهد حياة، وأن الجغرافيا ليست خريطة، بل ذاكرة وهوية وانتماء.
الكاتبة رشا الدبابنة، نجحت في تفكيك الفجوة التقليدية بين الطفل والتراث، تلك الفجوة التي طالما جعلت التاريخ مادة جافة، والآثار موضوعاً مدرسياً ثقيلاً. فجاءت كتاباتها لتعيد صياغة العلاقة بين الطفل ووطنه، علاقة قائمة على الدهشة، والفضول، والاعتزاز، وهنا تتجلى عبقريتها الحقيقية: إذ استطاعت أن تنقل المعرفة من خانة التلقين إلى فضاء الاكتشاف، ومن السرد الأحادي إلى المشاركة الوجدانية.
ولا يمكن قراءة تجربة رشا الدبابنة بمعزل عن خلفيتها المعرفية والعملية في مجالات التراث والمتاحف والتعليم الثقافي؛ فهذه الخلفية منحت نصوصها صلابة علمية نادرة في أدب الطفل، دون أن تفقدها جمالها أو خفّتها. إنها تكتب وهي تدرك أن كل معلومة غير دقيقة خيانة للوعي، وأن كل تبسيط مخلّ إضعاف للرسالة. لذلك جاءت أعمالها دقيقة، محسوبة، ومتوازنة، تحترم عقل الطفل، وتثق بقدرته على الفهم والتأمل.
على المستوى الوطني، تمثل تجربة رشا الدبابنة نموذجاً متقدماً لما يمكن أن ينجزه المثقف حين يضع الوطن في قلب مشروعه الإبداعي. فهي لا تكتب عن الأردن بوصفه فكرة مجردة، بل ككائن حيّ، متعدد الطبقات، غنيّ بالقصص، ومستحق لأن يُعرَف ويُحَب ويُصان. ومن هنا، تتحول كتاباتها إلى فعل حماية للذاكرة الوطنية، وإلى مساهمة حقيقية في بناء مواطنٍ يرى في تراثه قيمة، وفي تاريخه مسؤولية، وفي مستقبله امتداداً لما كان.
إن ما تقدمه رشا الدبابنة يتجاوز حدود أدب الطفل إلى فلسفة ثقافية متكاملة، تؤمن بأن بناء الأوطان لا يبدأ من القوانين وحدها، بل من الحكاية الأولى، ومن الصورة الأولى، ومن الانطباع الأول الذي يتشكّل في عقل الطفل عن وطنه. فهي تزرع، بصبرٍ ووعي، بذور الانتماء في تربة الطفولة، وتدرك أن ما يُزرع هناك لا يزول.
وفي زمن تتعرض فيه الذاكرة العربية للتآكل، وتُختصر فيه الهوية في مظاهر عابرة، تأتي تجربة رشا الدبابنة لتؤكد أن الثقافة ما زالت قادرة على المقاومة، وأن الكلمة الصادقة ما زالت قادرة على بناء الإنسان. فهي ليست مجرد كاتبة قصص للأطفال، بل حارسة للهوية، ومهندسة للوعي، وصوت وطني هادئ لكنه عميق الأثر.
إن الإشادة برشا الدبابنة ليست احتفاءً بشخص، بل احتفاء بفكرة: فكرة أن الوطن يمكن أن يُروى، وأن الطفل يمكن أن يكون شريكاً في حمايته، وأن القصة قد تكون أحياناً أقوى من أي خطاب.
وهنا، بالضبط، تكمن عظمتها.
