برعاية صاحب السموّ الملكيّ الأمير الحسن بن طلال المعظّم، عقدت كلّيّة الشريعة في الجامعة الأردنيّة اليوم، ندوة حواريّة بعنوان “الزكاة والوقف التنمويّ: رؤية إستراتيجيّة لتمكين المجتمع المستدام”.
وخلال رعايته أعمال الندوة، دعا سموّ الأمير الحسن بن طلال إلى إنشاء مؤسّسة عالميّة متخصّصة بالزكاة والوقف، تنطلق من دراسة مشتركة بين وزارة الأوقاف وكلّيّة الشريعة في الجامعة الأردنيّة، مؤكّدًا أنَّ الزكاة والوقف يشكّلان ثقافة دولة وحضارة أمة، وهما ركيزتان أساسيتان في بناء المجتمعات وتعزيز استدامتها.
وخاطب سموّه الشباب قائلًا: نحن بحاجة إلى خطاب يبدأ من الأمانة في التفكير والتطوير والحوكمة، وتوظيف الخير الجمعيّ لاستدامة تتجاوز الأزمنة وتطوّع الأزمات، وليس أصدق من الوقف التنمويّ لترجمة ذلك، مضيفًا أنَّ الهدف من هذا اللقاء هو الوصول إلى قوة إنجاز جديدة تستند إلى عمق الفكر الخيريّ الجمعيّ، واسترجاع منظومة القيم والأخلاقيات التي تبدأ من الأسرة بوصفها الوحدة الأولى في بناء المجتمع.
وحضر الندوة وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلاميّة الدكتور محمد الخلايلة، ومندوب رئيس الجامعة الأردنيّة الدكتور فالح السواعير، ونوّاب رئيس الجامعة، وعميد كلّيّة الشريعة الدكتور عبد الرحمن الكيلاني، إلى جانب عدد من أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة، ونخبة من أصحاب السماحة والخبراء المختصّين بالشأن الوقفيّ من الأردن والوطن العربيّ.
وشهدت الندوة حضور الأمين العام لمنتدى البركة للاقتصاد الإسلاميّ فضيلة الشيخ يوسف حسن خلاوي، وسماحة قاضي القضاة الدكتور عبد الحافظ الربطة، وسماحة المفتي العام للمملكة الدكتور أحمد الحسنات، وأمين عام مجمع اللغة العربيّة الدكتور محمد عدنان البخيت.
من جانبه، أكّد عميد كلّيّة الشريعة الدكتور عبد الرحمن الكيلاني أنَّ رعاية سموّ الأمير للندوة تمثّل دعمًا حقيقيًّا لمسيرة تطوير العمل الوقفيّ وتعزيز دوره التنمويّ، مشيرًا إلى أنَّ انعقاد الندوة يأتي في وقت تبرز فيه الحاجة الملحّة إلى إعادة تفعيل الأدوات الاقتصاديّة الإسلاميّة التي أسهمت تاريخيًّا في بناء الحضارة العربيّة والإسلاميّة، وتسخيرها لمواجهة التحديات الراهنة وتحقيق التنمية المستدامة.
وأشار الكيلاني إلى أهميّة الانتقال من الصورة التقليديّة للعمل الخيريّ إلى النموذج المؤسّسيّ القائم على الحوكمة والشفافيّة، وإصلاح التشريعات، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الوقف التنمويّ في المجتمع. كما شدّد على ضرورة توسيع مجالات الأوقاف لتشمل قطاعات حيويّة مثل: الرعاية الصحّيّة، والتعليم، والبحث العلميّ، والحماية الاجتماعيّة، والبيئة، والقطاع الزراعيّ، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسّطة، مؤكّدًا أنَّ ما كان أعظم نفعًا كان أعظم أجرًا.
وتوقّف الكيلاني عند واقع الأوقاف في مدينة القدس وما تواجهه من تحديات ومخاطر جسيمة، مُثمّنًا دور الوصاية الهاشميّة في حماية المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة، ومشيدًا بمشاركة رجال الدين المسيحيّ في الندوة تأكيدًا على وحدة الموقف في الدفاع عن الأوقاف وصونها.
وفي كلمته، شدّد فضيلة الشيخ يوسف خلاوي على أنَّ العمل الوقفيّ الفاعل ينبغي أن يقوم على ركيزتين أساسيتين هما: حسن إدارة الإنفاق وتنمية الإيرادات، بما يحقق الاستدامة المالية ويعزّز أثر الوقف في خدمة النفع العام.
وتناولت الندوة أربعة محاور رئيسيّة، حيث جاء المحور الأول بعنوان “واقع الأوقاف في المملكة وسُبل تفعيلها والنهوض بها في التمكين المجتمعيّ”، وقدّمه وزير الأوقاف والشؤون والمقدّسات الإسلاميّة الدكتور محمد الخلايلة، مستعرضًا نشأة وزارة الأوقاف عام 1930، وتجربتها في إدارة الوقف الخيريّ، مبيّنًا أنَّ الوقف الخيريّ في الأردن لا يزال في مراحله الأولى قياسًا بعدد الوقفيات، وأنَّ الواجب الشرعيّ على القائمين عليه يتمثّل في تطويره وتنميته واستثماره على نحو فاعل.
وأشار الخلايلة إلى أنَّ حصيلة الوقف في الأردن خلال السنوات الخمس الأخيرة بلغت نحو ستة ملايين دينار، لافتًا إلى الدور المحوريّ الذي تضطلع به كلّيّة الشريعة في الجامعة الأردنيّة في تخريج الأئمة والوعّاظ وصياغة الخطاب الإسلاميّ المعتدل. كما استعرض آليات الاستثمار التي تنتهجها الوزارة، ومنها: الوقف النقديّ والتمويليّ، والتجارة، وعقد الشراكات، إضافة إلى إنشاء محفظة أسهم في سوق عمّان المالي للوقف الخيريّ بهدف استثماره وتنميته، مؤكّدًا أنَّ الطموح يتمثّل في بناء مؤسّسات وقفيّة قويّة تسهم في تحقيق النفع العام والخروج من النمط التقليديّ في إدارة الأوقاف.
أما المحور الثاني، والذي حملَ عنوان “التجارب الرائدة للأوقاف في المجتمعات الإسلاميّة”، والذي قدّمه فضيلة الشيخ يوسف خلاوي، حيث استعرض نماذج ناجحة في استثمار الوقف، مُبرزًا الدور التاريخيّ للمساجد بوصفها مراكز دينيّة واقتصاديّة وتنمويّة منذ أول وقف في الإسلام، بدءًا من مسجد قباء والمسجد النبويّ، مؤكّدًا أنَّ المسجد لم يكن مكانًا للعبادة فقط، بل مؤسّسة فاعلة في خدمة المجتمع، داعيًا إلى إعادة إحياء دوره الاقتصاديّ والتنمويّ لخدمة النفع العام.
وفي المحور الثالث بعنوان “تجربة دولة الكويت في قطاع الأوقاف: الواقع والطموح”، استعرض سعادة الدكتور ماجد العازمي، المدير العام لبيت الزكاة الكويتي، نشأة بيت الزكاة عام 1982، مؤكّدًا أنَّ فقه الزكاة فقه متجدّد يواكب مستجدّات العصر دون الإخلال بدوره في تحقيق التكافل الاجتماعيّ ومكافحة الفقر وضمان التوزيع العادل للثروات، مستعرضًا أبرز أهداف الصندوق وأنشطته داخل دولة الكويت وخارجها.
وتناول المحور الرابع بعنوان “التحديات الإنسانيّة وتجربة هيئة الإغاثة الإسلاميّة في العمل الإنسانيّ’، وقدّمه سعادة الدكتور هاني البنا، مؤسّس هيئة الإغاثة الإسلاميّة، حيث استعرض نشأة الهيئة عام 1984، والأدوار الإنسانيّة التي اضطلعت بها على المستويين العربيّ والدَّوليّ، معتمدًا على تمكين المرأة والشباب بوصفهما عنصرين أساسيين في بناء المجتمعات، مؤكدًا أهمّيّة وضع رؤية متكاملة للزكاة والوقف، وداعيًا إلى تأسيس مؤسّسة زكاة على مستوى الأمة العربيّة، والخروج من النمط التقليديّ في إدارة الوقفيات لتحقيق أعلى مستويات التنميّة والنفع العام.
وفي ختام أعمال الندوة، قدّم مندوب رئيس الجامعة الأردنيّة الدكتور فالح السواعير الدرع التذكاريّ لسموّ الأمير الحسن بن طلال تقديرًا لرعايته الكريمة ودعمه المتواصل لقضايا الفكر والتنميّة والوقف.
