عروبة الإخباري –
في الأزمنة التي تفقد فيها الكلمات وزنها، وتغدو اللغة صدى يتكرر بلا روح، يظهر بعض الكتّاب لا ليضيفوا نصًا جديدًا إلى الرفوف، بل ليعيدوا للكلمة معناها الأول: أن تكون موقفًا، ومسؤولية، وفعل حياة، ومن هذا الموقع العميق تكتب نيسان سليم رأفت، لا بوصفها اسمًا عابرًا في مشهد ثقافي مزدحم، بل بوصفها صوتًا تشكّل من التجربة، ونما على مهل، حتى صار جزءًا من ضمير النص العربي المعاصر.
الكلمة عند نيسان، ليست زينة لغوية ولا تمرينًا بلاغيًا، بل اختبارًا أخلاقيًا دائمًا، فكل جملة تمر عبر غربال الصدق، وكل نص يُكتب كما لو أنه شهادة لا تقبل التراجع. لذلك يبدو أدبها مشبعًا بالوعي، محكومًا بالإحساس بالمسؤولية، ومشدودًا إلى الإنسان بوصفه الغاية الأولى والأخيرة للكتابة.
تدخل نيسان إلى النص بهدوء الواثقين، لكنها تترك أثر العاصفة. لغتها لا ترفع صوتها، ومع ذلك تُسمَع. لا تتباهى بجمالها، ومع ذلك تُدهش. فهي تعرف أن القوة الحقيقية لا تكمن في الصخب، بل في العمق، وفي القدرة على ملامسة القارئ دون استئذان، وعلى إشراكه في التجربة لا في الانبهار السطحي بها. نصوصها تشبه الأنهار العميقة: ساكنة في ظاهرها، لكنها محمّلة بتيارات لا تُرى.
في زمنٍ استُهلكت فيه المفردات، وارتُديت فيه الأقنعة البلاغية حتى بهتت المعاني، جاءت كتابات نيسان سليم رأفت كفعل مقاومة هادئة. مقاومة الابتذال، ومقاومة الاستسهال، ومقاومة تحويل الأدب إلى سلعة. تكتب لأنها تؤمن أن الصمت خيانة حين يكون في الإمكان قول ما يجب قوله، ولأن الأدب ليس ترفًا، بل ضرورة أخلاقية في مواجهة التوحش واللامبالاة.
قصيدتها لا تُصفّق لنفسها، ونصها لا يستعرض عضلاته، بل يمضي مستقيمًا نحو جوهر الفكرة، حيث الإنسان عاريًا من الأقنعة، وحيث الحقيقة لا تحتاج إلى زينة.
كونها تربوية، فذلك ليس تفصيلًا جانبيًا في سيرتها، بل ركيزة أساسية في مشروعها الفكري والإنساني. التربية عند نيسان ليست مهنة تُغلق مع نهاية الدوام، بل رؤية ممتدة، وإيمان عميق بأن الكلمة الأولى التي يسمعها الطفل قد تصنع العالم الذي سيعيشه لاحقًا. من هنا، يكتسب أدبها بعدًا مضاعفًا: بعدًا جماليًا يشبع الروح، وبعدًا تربويًا يبني الوعي، دون مباشرة أو وعظ.
تكتب بعين المعلّمة التي تعرف خطورة الكلمة، وبقلب الشاعرة التي تعرف جمالها، فتخرج النصوص متوازنة، ناضجة، محمّلة برسائل لا تُعلن نفسها، لكنها تعمل في العمق، ببطء، وبثبات.
وفي خلفية هذا الصوت، يقف الجنوب لا بوصفه جغرافيا، بل ذاكرة.
لا كاتجاه على الخريطة، بل إحساسًا كثيفًا بالانتماء، وبالفقد، وبالصبر الطويل. الجنوب في كتابات نيسان سليم رأفت هو المخزون العاطفي، ومرآة الألم النبيل، ومختبر اللغة التي تعلّمت كيف تكون مقتصدة في الشكوى، غنية في الدلالة، صلبة دون قسوة.
من هناك، خرج صوتها مشبعًا برائحة الأرض، وبحكمة البيوت القديمة، وبأصوات الذين لم يجدوا من يكتب عنهم إلا الشعر. لذلك تبدو نصوصها قريبة، دافئة، صادقة، حتى حين تكون موجعة. فهي لا تتاجر بالألم، ولا تحوّله إلى خطاب استهلاكي، بل تمنحه كرامته، وتعيد إليه معناه الإنساني.
هي من الأصوات النسوية التي تجاوزت سؤال “المرأة تكتب” إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا تضيف الكتابة للإنسان؟ لم تجعل من أنوثتها شعارًا، ولا من معاناتها مادة استعراض، بل صهرت التجربة كلها في نصّ ناضج، يرفض التصنيف الضيّق، وينتمي إلى الإنسان أولًا وأخيرًا.
هي لا تكتب لتكون أعلى، بل لتكون أصدق. ولا تسعى إلى مركز المشهد، لأن المشهد يتّسع بها.
وحين تقرأ لها، تشعر أن النص كُتب ببطء، بعناية، وباحترام عميق للقارئ. لا كلمات زائدة، ولا صور مجانية، ولا استعجال في الوصول إلى الخاتمة. كل جملة في مكانها، وكل صمت محسوب، وكأن الكتابة عندها فعل مسؤولية لا يقبل الفوضى.
نيسان سليم رأفت تنتمي إلى ذلك الطراز النادر من الكتّاب الذين يؤمنون أن الأدب لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه يغيّر الإنسان، والإنسان وحده القادر على تغيير العالم. لذلك ظل قلمها وفيًا للقيم: للصدق، للوعي، وللجمال النظيف الذي لا يساوم.
هي ليست صوتًا عابرًا في المشهد الثقافي، بل نغمة ثابتة، كلما طال الزمن، ازداد حضورها وضوحًا وعمقًا.
نيسان سليم رأفت… كاتبة حين يضيق الكلام، وتربوية حين يتّسع الأمل، وصاحبة أثر لأن ما كُتب بصدق… لا يزول.
