مفجع ذلك الخبر الذي تلقيناه محوْقلين محتسبين حتى بدأت بعض التفاصيل بكشف أهوال جريمة مركبة، حاولت أن تصدها النشمية زينة، برا بوالديها إلى حد الفداء، وحبا وكمدا، وصبرا واصطبارا، على ظلم أخيها لنفسه ولأهله والتي حاولت إنقاذه سترا وسرا -و»البيوت أسرار»- وتحريره مرارا وتكرارا من براثن تلك السموم المسماة المخدرات.
علمت بالمصاب الأليم عبر منشور مقتضب على «الفيسبوك» الأحد، لأحد الأقرباء، والمصاب في ابنتنا البارة، في أختنا الشهيدة زينة، مصابنا أجمعين. لديّ الكثير من الأصدقاء ممن هم بمنزلة «القرابة» ومرتبة من هم من «عظام الرقبة» الذين يتوجب علي تقديم واجب العزاء لهم، لكنني وبحسب ما رصدت من تفاعل الأردنيين الحيّ من داخل المملكة وخارجها، أدركت أننا حقا أسرة واحدة نتقبّل العزاء بها، فالمصاب فيها واحد. لكن الحقيقة الدامغة تكمن في أن الجرح يزداد إيغالا وإيلاما كلما اقترب من المعنيين، وهم في المقام الأول أسرة الشهيدة زينة، الأسرة النووية والممتدة، عشيرة المجالي، كرام الناس.
للحزن وتقديم واجب العزاء وقبوله آدابه. ليس هذا أوان ولا مكان إشباع الفضول في معرفة تفاصيل استشهاد أخت فدائية دافعت عن والديها بيدين حانيتين وذراعين مفتوحتين على وسع الأفق، لضم الأخ المكلوم، نعم هو أيضا مصابه جلل، رغم ما اقترفت يداه الآثمتان من جريمة يهتز لها عرش الرحمن، الديان وحده سبحانه ومن بعد قضاؤنا العادل، سيدينه بما يستحق من جرائم مركبة إحداها قتل المحامية أخته زينة، وأخريات بحق فاجعة مركبة تسبب بها للوالدين المفجوعين بالابن القاتل والابنة القتيلة، وسيسأل ذلك الشقيق الشقي، لا ريب، بأي ذنب قُتلت؟
تابعت بإنصات وقرأت بقلب شغوف حزين ما عرضه إعلامنا الوطني حول المأساة التي تنتخي فينا جميعا الرد بعد تلاوة الفاتحة على روح زينة، كتب الله مقامها في عليين، ونصر نشامى جيشنا وأجهزتنا الأمنية الباسلة على تجار الموت أينما كانوا وكائنا من كانوا، فأي «كريستال» وأي «شيطان» هذا الذي تتولى نظم مارقة وتنظيمات وعصابات الأشرار تصنيعه وتخزينه وتهريبه، حتى خلال مواراة جثمان الشهيدة الطاهر الثرى في الربة بمحافظة الكرك، حيث أحبطت قواتنا المسلحة على بعد كيلومترات تهريب السموم عبر جبهة أخرى حدودية -هذه المرة جنوبية غريبة- تستهدف شبابنا، لا بل وفي بعض الحالات الصادمة، تستهدف الشيب (كبار السن) ومن هم على مقاعد الدراسة الإعدادية قبل أن يخط الشارب وجوه فلذات الأكباد، كما هو الحال في دول «الغرب» ومن بينها أمريكا التي تخوض حربا إقليمية وعالمية ضد «كارتيلات» السمّ الزعاف وقد صار يعد من أكثر «أسلحة الدمار الشامل» فتكا..
القضية ليست مجرد قضية وعي مع أولئك الذين قد يصل إليهم تجار الموت من الباحثين عن لذة خدّاعة قتّالة، القضية تعني جميع مصدات الأمن الأسري والاجتماعي والوطني. ولعل روح الشهيدة البارة -رضية الوالدين- لعلها تستنهض الهمم وتنتخي الجميع، مواطنين ومقيمين ولاجئين، في التصدي لهذا الوباء السرطاني كأولوية روحية أخلاقية وطنية. هذه الحرب حربنا تماما كما كانت حربنا مع عصابات داعش الإرهابية وما زالت. هذه الحرب تتطلب توظيف وترشيد هذه العاطفة الجياشة التي عبرت عن حزنها داخل المملكة وخارجها على الشهيدة زينة، ولا بد أن تترجم إلى أفعال لا مجرد أقوال.
المهمة تعني الجميع، ولكل دوره. تلك مسؤولية قادة المجتمع الحقيقيون المؤثرون حقا، مسؤوليتهم تقديم كل ما هو ملموس في الوقاية قبل العلاج، كأولوية قصوى قبل الخوض في تلك الشعارات الرنانة والخطابات الطنانة، خاصة تلك التي تخرس عن إدانة «المحور» الذي ثبت دوره الشيطاني في تهريب السموم واستهداف أمننا الوطني والقومي، وليس الاجتماعي أو الأسري فحسب.
المصاب مصابنا. ودماء الشهيدة لن تذهب سدى. ربط الله على قلوب والديها وأسرتها وعشيرتها وأحسن عزاءهم.
الشهيدة زينة.. بأي ذنب قتلت؟* بشار جرار
3
المقالة السابقة
