عروبة الإخباري –
خلال السنوات الأخيرة، شهد الأردن ما يُسمى بـ«التحديث السياسي»، الذي وعد بتحويل الحياة السياسية الوطنية إلى مسار أكثر انفتاحًا وفعالية، ولكن عند قراءة الواقع بموضوعية، يظهر أن هذا التحديث لم يحدث أي فرق ملموس.
قيادات الأحزاب التي أعيد تشكيلها، والقوائم البرلمانية التي تم هندستها بعناية، جاءت غالبًا نتيجة صفقات سياسية وهندسة فوقية، لا نتيجة عملية طبيعية لقاعدة شعبية حقيقية، أو برامج قابلة للمحاسبة، أو تداول داخلي للقيادة، والنتيجة كانت واضحة: استمرار الحياة السياسية في دائرة الشكل الرمزي، بعيدًا عن أي حراك حقيقي يُسهم في تطوير الدولة أو تحسين الخدمات والحوكمة.
الوضع السياسي يعكس أزمة أعمق: ضعف المؤسسات الحزبية في الأردن لم يُعالج، بل تم تغطيته بصيغة تحديثية سطحية، فبدون أحزاب قوية، برامج واضحة، ونخب قادرة على المحاسبة والمنافسة، ستظل العملية السياسية أشبه بمسرحية يُعاد تمثيلها دون أن تتغير قواعد اللعبة أو تمنح المواطن فرصة للتأثير الفعلي.
على صعيد الأمور العسكرية، فقد أصبح «الحديث العام» على منصات التواصل الاجتماعي عن إعادة هيكلة الجيش مادة للتسابق في الرأي والتصريحات، بدل أن يكون حوارًا مؤسسيًا جادًا.
فالقضايا العسكرية ليست لعبة فيسبوك أو مادة للتدوين؛ هي تخصص دقيق يتطلب معرفة عميقة ومهنية عالية، لأنها ترتبط مباشرة بأمن الدولة واستقرارها الاستراتيجي.
الحديث العام، والتحليل السطحي، والمزايدات على مواقع التواصل، لا يمكن أن تساهم إلا في تشويش الرأي العام وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية.
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في السياسة أو الجيش، بل في إعادة تصور مفهوم القوة الوطنية في القرن الحادي والعشرين، وقد بات واضحاً بأن القوة اليوم ليست مجرد دبابات أو جنود، بل قوة ذكية تعتمد على البيانات، الدرونز، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، والاستثمار الأمثل في العقول البشرية. حتى الدول محدودة الإمكانيات تستطيع بناء قوة استراتيجية موازية إذا استثمرت عقول شبابها المبدع، بدل التركيز فقط على المعدات التقليدية.
شباب الأردن، بطاقاتهم الابتكارية في الأمن السيبراني وAI، هم رأس المال الحقيقي الذي يمكن تحويله إلى قوة استراتيجية غير تقليدية. عالم اليوم لا يُحسم على الأرض فقط، بل في الفضاء الرقمي، في البيانات، في خوارزميات السيطرة والتحليل. من يسيطر على هذه المجالات، يسيطر على المستقبل.
الفرصة مهدورة، لكن الطريق واضح:
الاستثمار في العقول قبل الموارد.
تطوير السياسة قبل مجرد تعديل القوانين.
بناء قوة وطنية تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، لا على الشكل الرمزي والمظاهر.
إذا استمرت السياسة في الأردن بالاعتماد على التحديثات الشكلية، واستمرت القوة على السلاح التقليدي فقط، فستظل كل الإصلاحات مجرد شعار. أما من يفهم أن المستقبل يُبنى على العقل والبيانات والابتكار، فسيحجز للأردن موقعًا استراتيجيًا في عالم سريع التغير.
التحدي الأردني الحقيقي هو في إدارة النخب، استثمار الطاقات البشرية، وفهم طبيعة القوة الحديثة، وبدون هذا الفهم، تبقى كل التحديثات السياسية شكلية، والقوة الحقيقية حلمًا بعيد المنال، وقد أصبح الأردن أمام مفترق طرق: إما أن يواصل الدوران في الحلقة الرمزية، أو أن يستثمر ثرواته الحقيقية – البشر والابتكار – ليصبح قوة استراتيجية في الإقليم والعالم
