عروبة الإخباري –
هبة القواس ليست سطرًا في سيرةٍ ذاتية، بل مقطعًا موسيقيًا طويل النفس، يبدأ من الشغف ولا ينتهي عند المنصّة.
هي مؤلِّفة موسيقية ومغنّية أوبرا لبنانية، لكن هذه التعريفات، على دقّتها، لا تكفي.
فالقواس لا تُعرَّف بما تفعل فقط، بل بما تُحدثه: ذلك الأثر الخفي الذي يتركه الفن، حين يتحوّل إلى رؤية،، والصوت حين يصبح موقفًا.
لم تدخل هبة القواس إلى رئاسة، المعهد الوطني العالي للموسيقى – الكونسرفتوار، بوصفها مديرةً إدارية، بل بوصفها موسيقية تعرف أن الصمت أحيانًا أخطر من النشاز.
رئيسةً، وعضوة مجلس إدارة، وأستاذة، حملت المؤسسة على كتفيها كما يحمل القائد لحنه الأثمن: بحذر، وبإيمان، وبمسؤولية لا تقبل الارتجال.
تؤمن القواس أن الكونسرفتوار ليس مجرد معهد، بل خزان ذاكرة، ومعمل هوية، ومكان تُصاغ فيه علاقة الوطن بذاته.
هناك، حيث تتدرّب الأصابع على الانضباط، تتدرّب الأرواح أيضًاعلى الصبر، وعلى الإصغاء، وعلى أن الجمال لا يولد صدفة بل يُبنى.
وفي عالمٍ تتراجع فيه اللغة المشتركة بين الشعوب، اختارت القواس أن تتكلم بلغة لا تحتاج إلى ترجمة الموسيقى.
هكذا تحوّل فنّها إلى جسر، وصوتها إلى دبلوماسية ناعمة، تفتح ما تعجز السياسة أحيانًا عن فتحه.
من هنا جاء وسام الشرف الروسي، لا كمجرّد تكريم شخصي، بل اعتراف عالمي بدورٍ ثقافيٍّ عابر للحدود، بدورٍ جعل من الموسيقى
مساحة حوارٍ حيّ بين لبنان وروسيا، وبين الشرق وفضائه الإنساني الأوسع، تكريمٌ يقول إن الفن، حين يكون صادقًا، يصبح سفيرًا.
في أعمالها الموسيقية، تسمع الشرق وهو لا يعتذر عن شجنه، والغرب وهو لا يتنازل عن بنيته، وتسمع المرأة العربية، وقد أمسكت بالقلم الموسيقي لا لتزيّن المشهد بل لتكتبه من جديد.
القواس لا تطلب الإذن، لتكون حيث هي، هي هناك لأن الموسيقى، مثل الحقيقة، تعرف أصحابها.
هي مثال نادر لفنانة لم تكتفِ بأن تُسمِع العالم صوتها، بل قرّرت أن تحمي أصوات الآخرين، أن تؤسّس، أن تُدير، أن تُعلِّم، وأن تقول، بالفعل لا بالشعار: إن الثقافة ليست ترفًا، بل شكلٌ من أشكال السيادة.
لهذا، حين يُذكر اسم هبة القواس، لا نفكّر فقط في أوبرا، ولا في وسام، ولا في منصب… تفكّر في تلك اللحظة النادرة التي يلتقي فيها الفن بالمسؤولية، والشغف بالقرار، والصوت بالمصير.
