عروبة الإخباري – بقلم: وصال أبو عليا –
في قريةِ المغير، لا ينتهي الدعاء عند السلام الأخير، يبقى معلقاً في الهواء، يبحث عن طفل لم يصل بعد إلى البيت.
يخرجُ المصلّون من صلاة الجمعة وهم يحملون أسماءهم على أكفّهم، وظهورهم مكشوفةٌ للرصاص، كأن الدعاء لم يكتمل، وكأنّ السماء تُختبر كل مرة بطفلٍ جديد.
محمد سعد سامي نعسان، أربعة عشر عامًا فقط. عمرٌ حفظ عدد الشهداء بدل الأرقام، وتعلّم اتجاهات القرية لا ليهتدي، بل ليعرف من أين تأتي الرصاصة.
خرج من المسجد بعد صلاة الظهر، في لحظةٍ يفترض أن تكون أكثر اللحظات أمانًا وصفاءً، فكان ظهره هو الهدف.
رصاصة الاحتلال لا تخطئ هذا الموضع؛ تدخل من الخلف، تعبر الصدر، وتخرج حاملةً قلبًا صغيرًا لم يتعلّم بعد معنى الخوف، لكنّه عرفه متأخرًا.
محمد ليس الأول. ففي هذه القرية، يتشابه الشهداء كما تتشابه الجروح: العمر ذاته، الإصابة ذاتها، الظهر ذاته، بدءا من صقر، أخي مناضل، ليث، علي، أمجد، ومن ثم محمد هذا اليوم.
كأنّ الموت هنا سياسة، وكأنّ الرصاصة تعرف طريقها جيدًا، وكأنّ الأطفال وُلدوا بعلامةٍ خفيّة تقول: “هنا سيُطلق الرصاص”.
استشهد محمد قرب منزل عائلتي، المكان الذي لا يزال يحتفظ بصدى رصاصةٍ أقدم، ارتقى مناضل بالسنّ ذاته، وبالرصاصة ذاتها، من نوعٍ لا تكتفي بالقتل، بل تُمعن في تمزيق ما تبقّى من الحياة، حيث رصاصة “دمدم”اخترقت قلبه، وتركت في العائلة فراغًا لا يُملأ، وفي القرية ذاكرةً لا تشيخ.
في المغير، البيوت لا تُغلق أبوابها حدادًا فقط، بل لأنّ الخوف صار جارًا دائمًا.
الأمهات يحفظن شكل ظهور أبنائهن أكثر مما يحفظن ملامح وجوههم، لأن الخطر يأتي من الخلف، لأن الطفل هنا يرتقي، وهو يفرغ من الصلاة، من الطمأنينة، من الحياة.
ومع ذلك، لا تموت القرية؛ تكبر الأسماء في صدورنا، لا في أعمارها.
مناضل، ومحمد، وكل الذين عبروا من الظهر إلى القلب، يعلّموننا أن الطفولة في فلسطين لا تُقاس بالسنين، بل بقدرة الدم الصغير على أن يفضح جريمةً أكبر من العالم، وأنّ يبقي السؤال مفتوحًا:
كم طفلًا بعد، قبل أن يفهم هذا العالم أن الظهور ليست أهدافًا، وأن المساجد ليست ممرات موت، وأن القرى الصغيرة تحفظ ذاكرة أكبر من صمت البشر؟
سلاماً لمناضل،
سلاماً لمحمد،
ولكلّ طفل لم يُمنح وقتا ليحلم،
ولا ظهراً آمناً في هذا العالم،
سلاماً للقرى التي تصلي كثيرا،
وتدفن أكثر
