كتب سلطان الحطاب –
استسمح رئيس التحرير الذي لا يحب أن تذكر اسماء في المقالات حتى لا يكون هناك ثناء زائد، ولكني لم استطع أن أهرب من اسم صاحب كتاب (السرطان المسافة صفر – حين تخون الخلايا)، وهو كتاب يتيم في مجاله، فلا هو يصنف بين العلوم ولا بين الأدب، وإنما جاء ليعلي من شأن كليهما وبموازاة ذلك فإن الاسم الذي لم استطع الاّ أن أذكره بالثناء العطر، هو للأميرة المميزة غيداء طلال، ذات الباع الطويلة في العمل التطوعي والخيري، وقد أخذت موقع القيادة في مؤسسة مركز الحسين للسرطان، ومنذ ذلك الوقت وواقع السرطان في الأردن يتغير، فقد جاء من يتصدى للسرطان بكفاءة العلم والعلماء والطب والخبرة ومن يوفر المال والتبرعات ويردف ذلك بالأبحاث والدراسات.
الأميرة التي التقيتها أمس في مركز الحسين للسرطان، كانت تخرج من جولة تتفقد فيها واقع المركز وقدراته والتحديات التي تواجهه، فهي رئيس هيئة أمناء مؤسسة ومركز الحسين للسرطان، وهي المؤسسة والرئيسية لمؤسسة ومركز الحسين للسرطان منذ تعينيها بارادة ملكية سامية من جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين عام 2001، وقد استودعها أكثر المواقع حرصاً عليها وحباً لتطورها وازدهارها، بعد أن قضى الراحل الكبير الحسين بهذا المرض وترك إرثا كبيرة جعل الأميرة المتفوقة منذ ذلك الحين تكرس نفسها لمواجهة هذا المرض والتخفيف عن مصابيه ومساعدتهم وخاصة الأطفال، الذين بنت بينها وبينهم علاقات خاصة ملؤها المحبة والحنين والإنسانية، وكان لمثابرتها المشهود بها على المستوى الاقليمي والعالمي أن جعلت من المركز موقعاً ريادياً ومعتمدا دوليا في المنطقة وقد وفر المركز العلاج المتقدم والشمولي لأكثر من 750 ألف مريض منذ تاسيسه.
نعم باحصائيات رسمية وجداول وأرقام، نجحت الأميرة التي حاربت السرطان بلا هوادة في تغيير واقعه في الأردن وحشدت له كل الأمكانيات التي استطاعت، وقد عبأت من أجل ذلك قطاعات واسعة اجتماعية واقتصادية، وقفوا معها وتفهموا رسالتها ودعموا توجهاتها. فكانت جيوش من المتبرعين والمتطوعين الذين وصلت اعمالهم الخيرية إلى قطاعات واسعة من المرضى للعالم العربي والاقليم وخاصة الأطفال، وتحديداً اطفال غزة الذين امتدت لهم اليد الملكية بالانقاذ وتحدث عنهم جلالة الملك أمام الرئيس ترامب في زيارته للبيت الأبيض، حين ذكر ذلك بأرقام كبيرة وما زالت هذه الأرقام تتزايد يومياً.
كنت اقف امام الديكورات الداخلية الجميلة في (الهول) المدخل الرئيس لمستشفى الحسين للسرطان «مبنى الملك سلمان » وقد اخذت بجمال اللوحات والديكور الداخلي الآخاذ في السقوف والجدارن ووجدت من يشرح لي ويشير، وبعد دقائق قليلة وجدت الأميرة وجدان علي مع الحاضرين، وقد سارت خلف المصورين الذين أخذوا بالمنظر، وبدأوا التصوير، فرأيت الأميرة وجدان علي صاحبة الشأن الشاسع في الفن والرسم والجمال، فأقدمت على السلام عليها، وقد سررت أنها ما زالت قادرة على العطاء والعمل الموصول الذي بدأته منذ أكثر من أربعين سنة والذي شهدته متاحف وقاعات ومراكز عمان ومراسمها ومركز الفنون الجميلة في اللويبدة وغيرها.
الأميرتان اللتان فرحتا بالانجاز الكبير، وكان علينا ان نبرز هذا الدور وان نشير اليه باعتباره نموذجاً لا بد أن يحتفي به الأردنيون جميعاً، فقد سرني أيضاً أن أقف أمام اللوحات التي تحمل اسماء المتطوعين بالتبرع المالي من الأردنيين، أفراداً وعائلات وجمعيات وأسر وعائلات، والاّ كيف كان لهذا الصرح العظيم أن يقف نموذجاً عملياً وانسانياً ساطعاً يمثل ارادة الأردنيين ووجدانهم وقدرتهم على المشاركة الدولية والمساهمة فيها باقتدار.
كان مدير المستشفى الدكتور عاصم منصور يتقدم المجموعة، ويقف الى جانب الأميرة غيداء بالشرح للتطورات، فقد كانت خبراته تتوازى مع انجازاته، وكان بصبره الأثر الناجح في زراعة أسباب النجاح واستقطاب الكفاءات والتعويل على الانتماء الأردني الذي عبر عن نفسه بقوة في هذا المركز المرموق.
جاءت الأميرة غيداء الى العمل في مركز الحسين من الصحافة، وقد جعلت الصحافة والإعلام وعاء قابلاً أن يحمل كل الفضائل الانسانية ولا يتوقف في حدود الكوارث وأخبارها، بل لا بد أن يكون هناك جوانب في البناء الانساني.
الاّلاف انقذت حياتهم وقد يكون هناك دينار واحد وراء انقاذ حياة طفل وهو ما نجح المركز في جمع التبرعات وتوظفيها بشكل جيد وجعل العام كله يربط ما بين مصداقية العمل وشفافيته وما بين التبرعات والمنح التي يقدمها للمركز بثقة ورغبة في الخارج حيث الأبحاث تتزايد لمواجهة هذا المرض، كانت البيئة مناسبة أن تؤسس الأميرة جائزة الحسين لأبحاث السرطان عام 2020، والتي زرعت فيها الكثير الكثير من الطاقات واستدرجت الكثير من البحوث وتعهدتها، فكبر الأردن وكبر دوره في نظر العالم، لأن الشراكة في مثل ذلك لا توازيها شراكة.
وكانت الأميرة قد شهدت على المستوى الدولي في الأمم المتحدة عامي 2011 و 2018، دوراً مميزاً أذ كانت مندوبة جلالة الملك عبد الله الثاني، حيث ألقت كلمة في الاجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة حول الأمراض غير السارية، والأميرة التي درست أيضاً علوماً انسانية في جامعة جورج تاون، وجدت نفسها حيث هي الآن، فواصلت وتشعبت المهمات وتكاثرت المساهمات، حتى صار يشار الى دورها العالمي بالبنان خاصة مساهماتها في مشروع انقاذ العلماء العراقيين، ولهذا قصة تطول يمكن تناولها في مكان آخر.
نشعر نحن الصحفيين باعتزاز بأن الأميرة من أسرة الصحافة وانها بدأت كذلك قبل أن تكلف بمهامها الحالية، فقد عملت الى جانب الراحل الملك الحسين، مسؤولة صحفية لجلالته وبقيت الى حين وفاته، أما الأميرة وجدان علي فإن في نشاطها الفني وادوارها كمؤرخة فن ودبلوماسية في التراث الفني الاسلامي، فإنه بحاجة الى كتابة.
