عروبة الإخباري – كتبت نزهة عزيزي من باريس –
في حياة الشعوب كما في حياة الأفراد، تأتي لحظات يتقاطع فيها الإرهاق مع الإصرار، ويجتمع الجرح مع الكبرياء، ويختلط الحنين بالرغبة في التحرر من كل ما كبّلنا عبر الزمن. لحظات لا يعود السؤال فيها عن الطريق، بل عن الذات التي تمشي الطريق.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الدعاء ليس طقساً روحياً فحسب، بل خطاباً وجودياً يعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالعالم.
من بين تلك الأدعية التي حملت في طياتها معنى العبور، يبرز دعاء النبي في لحظة الكرب، الدعاء الذي سبق الإسراء والمعراج، والذي يخرج اليوم من سياقه التاريخي ليصبح جزءاً من وعينا الجمعي، كأنه يُقال باسمنا نحن: «اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس… يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربّنا… إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لنا… نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات… لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.»
هذا الدعاء، حين نقرأه بصيغة الجمع، يتحول من مناجاة فردية إلى بيان هوية.
إنه يذكّرنا بأن القوة ليست نقيض الضعف، بل وعيٌ به.
وأن الكرامة لا تُستعاد بالصوت العالي، بل بالثبات الداخلي.
وأن الحرية ليست صراعاً دائماً، بل مساحة نعيد فيها ترتيب أنفسنا، ونستعيد فيها ما سُلب منا من معنى.
نحن — كأفراد وجماعات — نواجه العالم من نقطة صدق، لا من نقطة قوة مصطنعة.
نحمل في داخلنا أسئلة معلّقة: إلى من نسلّم أمرنا؟ إلى خوفٍ قديم ورثناه؟ أم إلى تلك الحرية التي تنادينا منذ أجيال، حرية أن نكون كما نحن، بلا أقنعة ولا تنازلات؟
حين نقول: «إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي»
فنحن نعلن تحررنا من سلطة الخارج، من نظرة الآخر، من أحكامه، من محاولاته لتحديد قيمتنا.
وحين نقول: «ولكن عافيتك هي أوسع لنا»
فنحن نعترف بأننا، مهما بلغنا من صلابة، نحتاج إلى رحابة، إلى مساحة نتنفس فيها دون خوف، ونكتب فيها دون رقابة، ونحب فيها دون أن نُختزل.
إن إدراج الدعاء في قلب رحلتنا ليس استحضاراً للماضي، بل استعادة لبوصلة.
فالدعاء ليس انكساراً، بل عبور. ليس ضعفاً، بل كشف. ليس استسلاماً، بل عودة إلى الذات الأولى — الذات التي كانت تعرف طريقها قبل أن يربكها العالم.
إنه يقول لنا: الكرامة ليست صراخاً، بل هدوءاً. والهوية ليست شعاراً، بل ممارسة. والحرية ليست هروباً، بل مواجهة صادقة مع ما في الداخل.
وهكذا يصبح الدعاء، في عمقه، جزءاً من مشروعنا الجماعي: مشروع استعادة المعنى، وتحرير الذاكرة، وتأكيد أن الطريق إلى الفرج يبدأ دائماً من لحظة الصدق مع أنفسنا.
