أيهما أسبق الموقع أم الطريق؟ أيهما أهم الطريق أم الرفيق؟ أيهما أجدى الحج مرة، أم الاعتمار مرات، أم هي حسن الضيافة، الوفادة والرفادة، مرات وكرات؟
«مَعان لينا وحقك علينا». معان البداية التي لا نهاية لها. معان التي حُقّ لها ولأهلها الكرام أن تكون فيها مدينة الحجاج المثال الأولى بالتعميم ولغايات مشابهة، أردنيا وهاشميا.
نحن في هذه الأيام المباركة في عيد من أعياد الأردنيين، موسم الحج المسيحي السنوي الذي ترعاه الكنيسة الكاثوليكية، البطريركية اللاتينية في أردن الطهر والقداسة، أردن النهر الذي تعمّد فيه السيد المسيح ومنه عبر بولص الرسول -الإرهابي شاؤول سابقا- إلى درب دمشق حيث كانت البداية والهداية، وصار عوضا عن ذلك الذي كان يطارد المسيحيين الأوائل لقتلهم وسجنهم صار رسول وخادم السيد المسيح إلى العالم كله، عبر الأردن فسورية فتركيا إلى أوروبا والعالم كله، شرقا وغربا.
زد وبارك يا رب السلام يا رب الأنام بمواسم الحج في مملكتنا الحبيبة، ليست وحدها معان مدينة الحجاج ولا مادبا ولا المغطس، ولا أغوار الأردن العظيم ووادي عربة، وادي السلام قبل أن يعرف سايكس وبيكو مشرقنا العظيم، فكلّ محافظة ومدينة وقرية، في بوادينا كلها وأريافنا وحواضرنا، حاضرة كما المفرق في الشمال، تجمع ولا تفرّق، لكن عندها يختار التجار -لا المهربين ولا الخارجين على القانون- يختارون إلى أين يكون المسير، ولأي غاية مشروعة، وأي منها أكثر عظمة من الحج إلى أي بيت من بيوت الله، أو اقتفاء درب الرسل والأنبياء والأولياء والصحابة والشهداء الذين عمروا بلادنا وباركوها إلى يوم نلقاه جميعا، ناظرين مجبوري الخاطر «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة»..
وددت لو بلغت كلماتي مقاولا مقتدرا من القطاع الخاص، نعم الخاص، فتلك قضية الناس لا الحكومات، قضية أولى بها الناس، الأهالي -مسلمين ومسيحيين- في هذه الأراضي المقدسة والمباركة، وددت لو تم استنساخ نموذج معان والمغطس بأدوات ولغة العصر فمملكتنا عابقة بالتاريخ الروحي المسيحي والإسلامي والأردني الوطني الجدير بتسوية الدروب إليه، ليس في الرحلات المدرسية فقط.
للأثرياء من أصحاب الملايين ولع إلى حد الهوس، و»هوسات» كان من بينها تلك الشعارات الكبرى والتي صارت «ترندات» ومن ثم أجندات تغدق عليها الأموال بسخاء، هبات لا قروضا. فماذا لو تبنى أحدهم ما نعرفه هنا في بلاد العم سام بتبني شارع أو قطعة أرض مهجورة. مشاريع الكشافة والجمعيات الخيرية، كالليونز والروتاري في بلاد العم سام، لا يجوز أن تتبنى تيارا أو نشاطا أو مشروعا ذا أجندة متعلقة بالدين أو السياسة، وإنما يقتصر على خدمة الناس كافة مواطنين ومقيمين وسائحين وعابري سبيل. «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» كما جاء في الحديث النبوي الشريف، وأعلى درجات الإيمان وأقوى الأدلة عليها الخدمة، فالخدمة صنو المحبة وجوهرها والتعبير الملموس عنها.
ماذا لو خدمت القادمين حجيجا أو سواحا عبر الطائرات والحافلات والسيارات، دروب يتم تهيئتها لضيوف الأردن، فزوار المملكة من المغتربين وحدهم، هي بمثابة حج سنوي ويفهم كلامي هذا تمام، كل من اكتوى بأشواق الحنين.
نهاية العام الماضي تشرفت وأسرتي بدعوة كريمة بزيارة الإمارات الشقيقة، مما أفرحني المسارات المكرسة التي يجري إضافتها لعشاق رياضات ركوب الدراجة الهوائية، والركض والهرولة والمشي. على امتداد تلك المسارات (الدروب) تم التخطيط لإقامة كل ما يلزم لحاجات الإنسان. هي تماما ما تُعنى به اختصاصات تخطيط وإنشاء المدن الذكية كما هو المشروع الذي ننتظره ببالغ الفرح والرجاء في عَمرة.
هكذا كانت بدايات أهلنا في معان والمفرق. الأهالي بادروا والأهالي قدموا الطعام، ومن قبله ومن بعده الأمن، ومعه ترافقت الشهامة والنخوة والفزعة. كلٌ متكامل، روحي حضاري إنساني. فلم لا يتم استلهام تاريخنا التليد لصنع حاضرنا المجيد ومستقبلنا العتيد؟
تماما كما كانت الدعوة عبر الكتاب المقدس لتمهيد الدرب أمام كلمة الله فكانت استجابة يوحنا المعمدان، حريّ أن تبقى تلك الروح حية فينا، بتهيئة الدروب أمام الناس كافة ليمشوا على هذه الأرض، بورع جليل وفرح عظيم.
في تراثنا الروحي نحن أحفاد إبراهيم عليه السلام، نذكر تلك الدعوة الربانية لكليم الله سيدنا موسى عليه السلام. «اخلع نعليك».. تأمّل وتبحّر كثيرون عبر التاريخ في تلك الآية، في ذلك الأمر الرباني العظيم. من بين المعاني والتفاسير هو التخلي عن كل شيء والالتصاق المباشر بالأرض في محضره سبحانه، خالق ما نعلم وما لا نعلم أننا نجهل.
جميلة النظرة والتجربة من الطيارة أو السيارة أو أي ركوبة بما فيها الجمال والخيل، لكن التاريخ البشري كله حتى قبل الرسالات السماوية كان يُعلي من شأن السائرين في الأرض، الماشين على دروب، فيها الوصل الحقيقي بين السماء والأرض.
من الآخر، التجربة قد تكون مكلفة ماليا إن تحدثنا عن طرق إسفلتية تلزمها مستخرجات النفط الفنزويلي مثلا، لكن تهيئة الدروب، أبسط من ذلك وأقل كلفة، كإماطة حجارتها الوعرة التي تعيق التقدم أو تعثر المسير، أو تعشيب أشواكها. وهي ليست بتلك الكلفة العالية خاصة مع فتح الباب أمام شرف العمل التطوعي بحملات ترويجية التلفزيونية المباشرة التفاعلية على غرار «التيلاثون». وليس «التبني» مقصورا على الحجاج والزوار في السياحة الدينية، فالجانب الوطني لا يقل قداسة، فكم من ربداوي وجرشي وسلطي وشوبكي وعقباويّ يتمنى أن يجرب (الحج) السنوي إلى مسقط رأسه أو دار جدوده، مشيا على الأقدام -وحيدا أو برفقة أسرته أو عشيرته أو من هم في منزلة «عظام الرقبة»، من دابوق أو طبربور أو وادي السير أو مرج الحمام أو الأشرفية أو الرابية؟!
الأردن لينا حقك علينا.. دروبنا خضرا وديارنا عامرة وأفراحنا غامرة بعون الله. ويا هلا بحجاجنا وزوارنا.
من لمدينة الحجاج مَعان؟* بشار جرار
2
المقالة السابقة
