من الكتب المهمة والقيّمة في التوثيق الثقافي في إمارة الشارقة، بدولة الإمارات العربية المتحدة، كتاب “الخيار الثقافي: إنجازات مشروع الدكتور سلطان القاسمي في الفترة من سنة 1972 إلى 2009″، للباحثة والأديبة الإماراتية د. فاطمة الحاج عبدالله الحبروش.
يضعنا هذا الكتاب، بشكل متسلسل وعناوين البدايات والتطوّر الثقافي والتعليمي وأوجه الحياة والنهضة في هذه الإمارة، التي تعدّ اليوم نموذجًا في العمل الثقافي، بفضل مبادرات الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وقد استهلّت الدكتورة فاطمة الحاج كتابها بقول صاحب السّمو الشيخ سلطان القاسمي “إنّ مهمة القائمين على التربية والتعليم والإعلام والثقافة والتنشئة الاجتماعية أن يرسّخوا من قيم العلم التي تسود العصر، غير متناسين أو غافلين عن القيم الأساسية التي تقوم عليها الشخصية العربية المسلمة.. قيم العقيدة والإيمان التي بفضلها كنا وسنظل خير أمة”.
صفحات مضيئة يشتمل عليها الكتاب، من السيرة الغنية لصاحب السمو الشيخ القاسمي، وإنجازاته، كما كان تقديم المؤلفة للكتاب يضعنا بصورة جغرافية الشارقة وعلاقتها أيضًا بالبحر واللؤلؤ والسفر والتجارة والمجتمع آنذاك، والأسماء التي أطلقت على الشارقة، لتتحدث عن جمال الشارقة، وحصونها، واهتمام القاسمي بإعادة بناء القديم من هذه الحصون، كما تشير المؤلفة إلى سكان الشارقة وقبائلها الرئيسية، وموقعها التجاري والاستراتيجي، ومطار الشارقة، كمحطة قديمة، وكذلك الأبعاد الاقتصادية للتطوير والرؤية التي تميّز بها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، كما تذهب الدكتورة فاطمة الحاج إلى الحديث عن المثقفين والعلماء والقضاة والأدباء في الشارقة، في فترات قديمة وبدايات تبعث على الإعجاب، مثل حديثها عن الشيخ علي بن محمد المحمود، والشيخ عبدالله بن علي المحمود، وإبراهيم بن محمد المدفع، وعبدالله بن صالح المطوع، وكذلك تتحدث عن المخطوطات وإسهام كلّ تلك الشخصيات في العمل الثقافي والتعليمي.
وتتحدث الدكتورة فاطمة الحاج عن السيرة الثقافية والتعليمية والاستعداد الفطري للشيخ سلطان القاسمي، في تعليمه ودرجاته العلمية وشهادات الدكتوراه التي يحملها، وتعليمه في الخارج، والشهادات الفخرية التي حصل عليها، والجوائز الكبيرة التي حازها والقلائد التكريمية والعضويات الفخرية، والكثير من مثل ذلك في سيرة مضيئة على التألق والإبداع والعطاء والإنجاز.
وتستذكر المؤلفة أيضًا كيف كان صاحب السمو الشيخ القاسمي منسجمًا مع الفعل الثقافي والتربوي، وحاضرًا دائمًا في خضم كلّ المناسبات الثقافية والمتخصصة، متحدثةً عن كتب تاريخية وجغرافية عديدة، ولها أهمية كبرى في هذا المجال، وكيف قام سموّه بتصحيح الكثير من المسارات التاريخية والمفاهيم المغلوطة، وكذلك إنجازه مسرحيات رائعة كتبها وظلّت تلامس حياتنا اليومية والعربية والإنسانية، مؤكدًا أهمية الرسالة السمحة والوسطيّة للإسلام، خصوصًا وأنّ سموّه درس التاريخ، وعمل على قراءات دقيقة ومفاصل مهمة في هذا المجال.
ويتواصل الكتاب، في الحديث عن أهمية التبادل الفكري للشارقة مع المهرجانات والمعارض العربية والأجنبية، وكون صاحب السمو الشيخ القاسمي شخصية على مهرجانات مهمة، واحترام الشارقة في معارض الكتاب العالمية، وهو الذي وجّه بمعرض الشارقة الدولي للكتاب المشهود على المستوى العالمي، وكيف كان سموّه شخصية ثقافية لمهرجان القرين سنة 2004 ، والكثير من مثل ذلك، كما تؤكّد الدكتورة فاطمة الأفكار النيّرة للشيخ القاسمي وإنجازاته في مجالات كثيرة، على الصعيدين الداخلي والخارجي في الفترة 1972 إلى 2009 ، حيث تفرد صفحات للحديث عن مدينة الشارقة وحضورها وموقعها الاستراتيجي وأسواقها التقليدية وخدمة حركة الملاحة الدولية، كما ترصد المؤلفة شهادات قيلت في الشيخ القاسمي وإشادات بشخصيته واحترامه لنفسه وللثقافة والفكر والعلم، كما تشير إلى مراحل دراسته الثانوية والجامعية، وكيف كان سموّه منخرطًا في العمل الاجتماعي والثقافي مبكرًا، وكذلك إقباله على العلم، والحس القومي لديه ودراسته وتميّزه بين أبناء جيله في المدرسة وفي الجامعة، وفيما بعد، وإسهاماته العديدة، ومنها إنشاء اتحاد الهيئة العالمية للجامعات، وإنشاء بينالي الشارقة والمتاحف، والأساس المتين لكلّ نشاط وجّه إليه فيما بعد وما نزال نتفيأ ظلاله اليوم.
وتأتي الدكتورة فاطمة الحاج على ذكر اهتمام سموّه بالكتّاب والمؤلفين والمبدعين والفنانين والأدباء والمفكرين والعلماء، والجوائز المشجّعة، كجوائز التفوق والتميز التربوي، وكذلك اهتمامه بالعمل التطوعي، والشعر العربي، والتأليف المسرحي والإبداع العربي، وحرصه على العلاقات الإنسانية بين العرب والعالم، ودعم العلاقة مع الدول العربية والإسلامية، والتواصل مع المغرب العربي، وتنمية التفاهم والتبادل الثقافي والفكري بين العرب والغرب، والكثير من الأعمال التي أنجزها سموّه، كعمل مؤسسي، مثل إنشاء دائرة الثقافة والإعلام سنة 1981 بمرسوم أميري، ومسابقات الإبداع العربي في وقت مبكر، وإنشاء جامعة الشارقة، وبرنامج التأهيل الوظيفي في المنطقة الشرقية، واهتمامه الكبير بعدالة التنمية وخدماتها وتوزيعها على كل مدن الشارقة ونواحيها، وإنشاء سموّه كلية التقنية، ومعهد الشارقة للفنون المسرحية، واهتمامه بالنهضة التربوية والعلمية في مناطق الشارقة، ومبادرته إلى إنشاء معسكرات الإعداد الاجتماعي للقيادات الطلابية، وأيضًا خطط توسيع الإنجازات وتنويعها وتفعيلها على الصعيد الثقافي، كمشاركة الشارقة في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، وتطوير الهيئة العربية للمسرح وتوسيع أعمالها، وكذلك التوجيه بأيام الشارقة التراثية، والعمل على ساحة الآداب في الشارقة، وإنشاء البيوت التراثية، وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وإنشاء قصر الثقافة بالشارقة، كمكان يعتبر مقصدًا للعمل الثقافي والمؤتمرات والمسرحيات والأمسيات الموسيقية والشعرية والندوات والمحاضرات والعروض السينمائية وغيرها من الفعاليات.
كما تتحدث الدكتورة فاطمة الحاج عن اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بشؤون الأسرة ومراكز الأطفال والإعلام والتوعية المجمعية، وكذلك إنجازاته في مواضيع الإدارة والأشغال والخدمات والزراعة والاقتصاد والتخطيط والعمران وغير ذلك من الحقول والمجالات.
أخيرًا، يعدّ هذا الكتاب مصدرًا مهمًّا للوقوف على إنجازات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في المجال الثقافي، وما يرتبط به من أعمال تدعم هذا الفعل وتؤطره، خصوصًا وقد وصل الفعل الثقافي اليوم إلى درجات عالية من التقدم والنجاح.
