نايف النوايسة (كاتب أردني)
في فترة السبعينيات والثمانينيات حرصت و(المرحوم) إبراهيم العجلوني على قراءة روايات الأديب الروسي دوستويفسكي متدرجين من مجموعاته القصصية كـ «الليالي البيضاء» إلى أن دخلنا في عوالمه النفسية الصعبة في «الجريمة والعقاب» و”الإخوة كارامازوف».
ومضى العجلوني متعمقًا في قراءاته لهذا الروائي ليقف على الخفايا النفسية والعلاقات المتداخلة لشخصياته، ليصل إلى أنه جمع في هذه الروايات شخصيات كثيرة لكل منها عالمها الخاص وأبعادها الملتبسة، وتمكن من السيطرة عليها رغم ما بينها من تباعد في النواحي الشخصية والمرتكزات الاجتماعية ولم تفلت منه في بناء الرواية، وعدّه العجلوني في هذا الباب أُنموذجًا في التفرد.
وكشف العجلوني قدرة هذا الروائي على سبر أغوار الإنسان وما تمور به نفسه في السمو والانحدار.
ومثلما ما احتفى دوستويفسكي بالشخصيات وما انطوت عليها من أزمات نفسية نجده يحتفظ بالمكان الذي جاء ملازمًا لهذه الشخصيات مثل غرفة «رانسيلنكوف» في رواية «الجريمة والعقاب».
ويذهب العجلوني إلى أن المكان هو الشخصية الأولى في روايات دوستويفسكي؛ فالسجن الليبيري والقبو المظلم وغرفة الراهب الذي لجأ إليه «إليوشا» (بطل «الإخوة كارامازوف») والمحكمة، وغيرها من الأماكن التي حرص دوستويفسكي أن تكون مكانًا وبطلًا في آن واحد.
في رواية «الإخوة كارامازوف» تنبّه العجلوني إلى رؤيا الروائي الإيمائية، وفيها أنه علّق الإيمان بالإنسان نفسه، ولم يجعله متعلقًا بسلطة دينية أو سياسية، وضرب مثالًا لذلك ما كان من أحد أبطال رواية (الإخوة كارامازوف) بأن يتصور أن الله أعاد السيد المسيح عليه السلام إلى الأرض وفي مدينة إشبيلية بالذات التي شهدت محاكم التفتيش، وما كان من المفتش الأعظم من حديث للسيد المسيح، وطلبه منه أن يعود من حيث أتى، أي أن دوستويفسكي يرفض سلطة الكنيسة وقبضة الكهنوت متصورًا بأن المسيح عليه السلام كبير الكهنة، وفي هذا الأمر مغالطة يُظهر العجلوني مخالفته لها، وأنا مثله كذلك، لأن المسيح عليه السلام غير ما ذهب إليه دوستويفسكي، وكان منطلق الروائي الكبير أن الإيمان متعلق بالإنسان نفسه وبضميره ولا شيء آخر مما يكبر في النفوس من وسوسات أو محاكم للعقل والوجدان.
وما استيقنته مما يذهب إليه العجلوني في نظره الدقيق في روايات دوستويفسكي هو الجزم بقطيعة هذا الروائي مع الأيديولوجيا التي كانت الكنيسة وسلطة القياصرة تمثلها، ودفع ثمن ذلك مطاردته ردحًا من الزمن، والزجّ به في سجون سيبيريا وزنازينها.
وفي هذه السجون استقر في يقين دوستويفسكي أن الإنسان وحده من يقرر مصيره ووجوده دون تدخل من أي سلطة مهما كانت.
ومما يتوجب ذكره هنا أن العجلوني أكد ما وصل إليه من قطيعة دوستويفسكي مع الأيديولوجيا بإقباله على تعميق رؤيته الوجودية من مصادر أخرى وعلى رأسها القرآن الكريم ومخالطة بعض المسلمين في سجون سيبيريا، ويقول: «ولما أنهى دوستويفسكي عقوبته، والتحق جنديًا في (التجريدة) السابعة العاملة في سيبيريا، وجدناه يتمنى على أخيه أن يوافيه بنسخة من القرآن الكريم، وإن مما يبعث على التأمل أن يطلبها مع كتب كلِّ من كانْت وهيجل، مع كتب أخرى في الفيزياء والتشريع والتاريخ».
وتوصلنا من قراءات معمقة لروايات دوستويفسكي إلى أن مخالطته بعض أبناء الجمهوريات الإسلامية من شيشان وشركس وقوقاز أثّرت عليه كثيراً، ومن هؤلاء البطل «نورا» الملقب بالأسد، وكذلك «الشاب علي التتري» وقال فيه دوستويفسكي: «إنه كينونة غير عادية وذو طبيعة رائعة، يستحيل على أي فكرة سيئة أن تغريه»، وسبب ما قاله دوستويفسكي أن (عليّ) استقبله بحدب وأخلاق عالية عند دخوله السجن، وقال عنه: «أراد المسلم ذو الروح المرهفة أن يفرّح صديقه الجديد بمدح إيمانه فأخذ يحدثه عن المسيح عيسى النبي المبارك»، وهذا ما يدل على طبيعة المسلم الحقيقي الذي يلتزم بأساسيات الدعوة الإسلامية القائمة بدءًا على الحكمة والعقل.
كل ذلك ورد في كتابه «ذكريات من بيت الموتى»، وفي ما ذكره لا نجد فيه اختلافاً كبيرًا عما عرفنا من شأن كبار شعراء روسيا وكتابها مثل بوشكين وليرمنتوف وكذلك تولستوي.
ويخلص العجلوني إلى نتيجة مهمة في مقالته التي عنونها بـ «دوستويفسكي والإسلام»، وذلك بأن هذا الروائي قد وصل في قناعاته الفلسفية والفكرية ليقول وفق العجلوني: «أنا مؤمن بالله وحده، أنا فيلسوف مؤمن»، وبهذا «يكون قريبًا من الإسلام ومحبًا للمسلمين، شأنه في ذلك شأن مواطنه العظيم تولستوي الذي سبقه لمثل هذا الأمر».
ينطلق العجلوني في بحثه المعمّق لروايات دوستويفسكي للوصول الى مقارنة دقيقة بين رؤية هذا الروائي والرؤيا الإسلامية للوجود.
لذا لم تبتعد غايات هذه المقالة عند دوستويفسكي عن غيرها، فالناظم بين مقالاته هو إلى مدى تماس هذا الروائي مع الإسلام، شأنه في ذلك شأن غيره من الكتاب الأجانب، ولا يخفي العجلوني غايته من ذلك، إذ قال في إحدى مقالاته التي عنونها بـ «دوستويفسكي والأدب الإسلامي”: «كنت ذهبت مرة إلى أن في روايات الروسي دوستويفسكي مخايل من الأدب الإسلامي وأنها توشك أن تتوافق مع الرؤيا الإسلامية للحياة والوجود، وقد ضربت مثلًا على ذلك رواية (الإخوة كارامازوف) وشخصية (إليوشا) فيها».
ويُفصح العجلوني عن أنه حين نحا هذا النحو في قراءاته لروايات دوستويفسكي كان متاثرًا بالكاتب المصري محمد قطب الذي بحث في أدب الكاتب الهندي طاغور وأدب الإيرلندي جون ميلينغتون سينج في كتاب «منهج الفن الإسلامي» ومما يتصل بذلك من قراءاته لعدد من الكتاب العرب الذين اشتغلوا على النهج نفسه.
خلاصة ما ذهب إليه العجلوني في مقالته إن «إليوشا» في رواية «الإخوة كارامازوف» هو شخصية عكست الفطرة النقية والفلسفة المتسائلة، وكان «إليوشا» يتردد على الشيخ الحكيم الزاهد «روسيما» ويلقي بين يديه تساؤلاته حول مصير الناس، فضلًا عن جملةٍ من القضايا الغامضة المتلبسة عليه، ويذهب العجلوني الى ان تساؤلات «إليوشا» أقرب إلى تساؤلات النبي موسى عليه السلام التي طرحها على العبد الصالح في سورة الكهف، وهذه التساؤلات تعبر عن فلسفته وحيرته، ووجد في حكمة العبد الصالح الإجابات الحاسمة.
هي نظرات سريعة مع المفكر إبراهيم العجلوني في رحلته المضيئة العميقة داخل روايات دوستويفسكي واستطاع منها فهم شخصية هذا الروائي العالمي الكبير التي انطوت على أسئلة حائرة مقلقة يقف أمامها الإنسان طويلًا في رحلة بحثه عن الإجابات، وكان مما يركن إليه الأديب الناقد المحقق أن من مباحات البحث أن يلجأ الباحث إلى كل شيء في سبيل الخلاص من الحيرة، وأكد هذا النظر ما طلبه دوستويفسكي من أخيه: القرآن الكريم وكتب الفيزياء، محاولة منه الوصول إلى جدار مكين يسند ظهره إليه.
