في لحظات نادرة من التاريخ الفكري، يبرز اسم لا بوصفه سيرة فردية فحسب، بل باعتباره مشروعًا معرفيًا مكتمل الأركان، قادرًا على إعادة تعريف دور الأكاديمي، وحدود المثقف، ومعنى الالتزام الأخلاقي في زمن الالتباس. هكذا تحضر الدكتورة سهير أبو عقصة داود: عقل نقدي رفيع، وصوت علمي جريء، وتجربة إنسانية تجاوزت الجغرافيا لتؤكد أن المعرفة، حين تُحمل بصدق ومسؤولية، تتحول إلى فعل تاريخي يتجاوز صاحبه، ويترك أثرًا عميقًا في الوعي العام.
إن الإشادة بالبروفيسور، سهير أبو عقصة داود، ليست احتفاءً شكليًا ولا مجاملة عابرة، بل اعترافٌ بمسار فكري وأكاديمي استثنائي، جمع بين الصرامة العلمية والالتزام بقيم العدالة والتمثيل والكرامة الإنسانية، ونجح في إدخال التجربة الفلسطينية – وبخاصة تجربة المرأة الفلسطينية – إلى قلب النقاش الأكاديمي العالمي، لا بوصفها هامشًا أو حالة استثنائية، بل باعتبارها موقعًا مركزيًا لإعادة التفكير في مفاهيم السياسة، والديمقراطية، والمواطنة، والسلطة.
حصلت، ا.د. عقصة داود على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من الجامعة العبرية في القدس، وهو إنجاز أكاديمي شكّل الأساس لمسيرة بحثية رصينة تناولت قضايا شديدة الحساسية والتعقيد، في مقدمتها إشكاليات المواطنة، والتمثيل السياسي، والنوع الاجتماعي، مع تركيز خاص على واقع الفلسطينيين داخل إسرائيل. وقد تميزت أعمالها منذ بداياتها بجرأة معرفية نادرة، وقدرة على تفكيك البُنى السياسية السائدة بلغة علمية دقيقة، بعيدة عن التبسيط أو الانفعال.
ريادة أكاديمية وحضور دولي مرموق
البروفيسور سهير، تشغل منصب أستاذة مشاركة في قسم الدراسات السياسية بجامعة كوستال كارولينا في الولايات المتحدة، حيث أسهمت في تطوير المساقات الأكاديمية، وتدريس مجالات متعددة تشمل النظرية السياسية، والسياسة المقارنة، ودراسات الشرق الأوسط، مقدّمة نموذجًا للأستاذة الجامعية التي تجمع بين العمق النظري والقدرة على تحفيز التفكير النقدي الحر.
وامتدت مسيرتها الأكاديمية لتشمل مؤسسات تعليمية وبحثية من الصف الأول، فقد عملت أستاذة مساعدة زائرة في كلية هارفي مود، إحدى أبرز كليات الفنون الحرة في الولايات المتحدة، وكانت زميلة ما بعد الدكتوراه في كلية بومونا ضمن منحة ميلون المرموقة، وهي من أكثر المنح تنافسية على المستوى الأكاديمي العالمي. كما شغلت موقع باحثة زائرة في مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون، أحد أهم المراكز البحثية المتخصصة في الشأن العربي والسياسات الإقليمية.
هذا التنقّل الأكاديمي لم يكن مجرد مسار مهني، بل تجسيدًا لمشروع فكري متماسك استطاع أن يفرض حضوره في فضاءات معرفية متعددة، وأن يفتح حوارًا علميًا جادًا بين التجربة الفلسطينية والسياقات العالمية للديمقراطية، والتمثيل، والعدالة الاجتماعية.
بين البحث الأكاديمي والتجربة السياسية المباشرة
ويكتسب مشروع البروفيسور سهير أبو عقصة داود عمقًا إضافيًا من خبرتها العملية في الحقل السياسي، حيث عملت مستشارةً لعضو في الكنيست الإسرائيلي. وقد وفّر لها هذا الموقع اطلاعًا مباشرًا على آليات صنع القرار، وتفاعلات السلطة اليومية، وحدود الممكن السياسي داخل بنية سياسية معقّدة، الأمر الذي انعكس بوضوح على كتاباتها وأبحاثها، فجاءت تحليلاتها متحرّرة من التجريد النظري، ومسنودة بفهم واقعي دقيق لموازين القوى وبُنى السيطرة.
إسهام معرفي رائد
في عام 2009، أصدرت البروفيسور، كتابها الأكاديمي البارز «المرأة الفلسطينية في السياسة في إسرائيل» عن دار نشر جامعة فلوريدا، وهو عمل مرجعي يُعدّ من الإسهامات الرائدة في دراسة المشاركة السياسية للفلسطينيات. يتميز الكتاب بمنهجيته الصارمة، وعمقه التحليلي، وجرأته في تفكيك السرديات السائدة، واضعًا المرأة الفلسطينية في موقع الفاعل السياسي القادر على التأثير، لا الضحية الصامتة أو الحضور الهامشي.
وسيصدر لها في الأشهر القريبة كتابها الجديد الذي يحمل عنوان “في بطن الحوت الإسلام السياسي في الدولة اليهودية”
المثقفة التي لم تفصل العقل عن الوجدان
إلى جانب إنجازاتها الأكاديمية، تبرز سهير أبو عقصة داود بوصفها صوتًا أدبيًا وشعريًا مميزًا، حيث نشرت أربعة دواوين شعرية وأعمالًا أدبية باللغة العربية، كشفت فيها عن حساسية لغوية عالية ورؤية إنسانية عميقة. وفي هذا التداخل بين السياسة والشعر، يتجلّى إيمانها بأن المعرفة ليست فعلًا ذهنيًا باردًا، بل تجربة إنسانية شاملة، وأن الكلمة – علمية كانت أم إبداعية – يمكن أن تكون فعل مقاومة، ومساحة مساءلة، وأداة استعادة للمعنى.
نموذج للمرأة الفلسطينية العالمية
تمثّل مسيرة البروفيسور سهير أبو عقصة داود نموذجًا ملهمًا للمرأة الفلسطينية والعربية القادرة على اقتحام أرفع المنصات الأكاديمية العالمية دون التفريط بالهوية أو القضايا الجوهرية، وعلى تحويل التجربة الفردية إلى معرفة عامة، والبحث العلمي إلى فعل أخلاقي ومسؤول.
فهي سيرة عقل نقدي شجاع، وصوت معرفي رصين، وتجربة تؤكد أن الفكر حين يقترن بالمسؤولية، يتحوّل إلى قوة تغيير حقيقية، وإلى أثرٍ باقٍ في الوعي والتاريخ.
