لا يمكن لأي وطن أن ينهض وهو يرفض صناعة قادته الحقيقيين. فالدولة التي تستبدل الكفاءة بمنطق الصداقات، وتقدّم الولاء على الخبرة، وتورّث المناصب بدل أن تفتحها أمام العقول القادرة، تحكم على نفسها بالهشاشة مهما رفعت من شعارات القوة والاستقرار.
إن بناء الدول لا يتم عبر الأسماء، بل عبر المؤسسات، فالمؤسسات لا تعيش إلا بالكفاءات. وعندما تُفرَّغ المناصب من معناها وتتحول إلى مكافآت، يصبح القرار ضعيفًا، والتنفيذ مرتبكًا، والمحاسبة مستحيلة.
وهنا تبدأ الحلقة المفرغة: فشل يُغطّى بالتبرير، وتبرير يُنتج فشلًا أكبر.
الأخطر من ذلك، هو ما أصبح ظاهرة مقلقة في المجتمع: تجريم الرأي والنقد البنّاء.
كل من يطرح حلًا، أو يقدم قراءة نقدية لقضية عامة، يُتهم فورًا بأنه “باحث عن مصلحة شخصية”. وإذا كان هذا الشخص قد عمل داخل الدولة أو يعمل فيها، فالتهمة تصبح مضاعفة، وكأن الخبرة أصبحت جريمة، وكأن القرب من مؤسسات الدولة يسلب المواطن حقه في التفكير والتعبير.
بهذا السلوك نخسر مرتين:
نخسر العقول الصادقة التي تختار الصمت أو الابتعاد
ونترك الساحة للانتهازيين الذين لا يهمهم الاتهام لأنهم لا يقولون شيئًا أصلًا
وهنا المفارقة المؤلمة: هذا المناخ يخدم الفاسدين أكثر من أي جهة أخرى.
ففي ظل غياب النقد، يُقدَّم الفشل على أنه إنجاز، وتُدافع الجماهير — أحيانًا بحسن نية — عن منظومات أضرت بها، فقط لأنها تعودت على الخوف من السؤال.
أما على مستوى القيادة، فحتى لو وُجدت إرادة حقيقية للعمل والإصلاح، فإن الإرادة وحدها لا تكفي.
رئيس بلا أدوات قوية، وبلا فريق كفء، وببرلمان مطواع في الظاهر لكنه قادر على التعطيل والإحراج عند أول اختبار، سيجد نفسه محاصرًا بمنظومة
لا تساعد على النجاح. الإصلاح لا يُدار بالنوايا، بل بالقدرة على التنفيذ، وباختيار الأشخاص المناسبين في المكان المناسب.
الوطن لا يحتاج إلى تصفيق، بل إلى صدق.
ولا يحتاج إلى إسكات المختلفين، بل إلى الاستماع لهم.
ولا ينهض بتقديس الأشخاص، بل ببناء منظومة تحمي الكفاءة وتحاسب المقصر أيًا كان موقعه.
إن أخطر ما قد نخسره ليس منصبًا ولا حكومة، بل حيوية المجتمع.
وحين تموت الحيوية، يصبح الفساد طبيعيًا، والفشل مقبولًا، والصمت فضيلة… وحينها فقط ندرك أننا لم نخسر معركة سياسية، بل خسرنا الوطن ببطء.
هذا الكلام ليس ضد الدولة، بل من أجلها.
لأن الوطن القوي لا يخاف من النقد، بل يخاف من غيابه
عندما تُحارَب الكفاءة ويُجرَّم النقد… كيف تُصنَع الدولة الهشّة؟* الدكتور محمد أبو هديب
10
