عروبة الإخباري –
ليست هذه صفحات تُقرأ على مهل، ولا كلمات تُستهلك ثم تُنسى، هذا النص لا يطلب إذن الدخول، يفتح الباب بعنف الحقيقة.
هنا لا نبحث عن الجمال السهل، ولا عن البلاغة المروّضة، بل عن الكلمة التي تقول ما يجب قوله حين يصمت الجميع.
ميادة سليمان لا تكتب لتُرضي الذائقة، بل لتُربكها. ولا تصنع نصوصًا للتصفيق، بل للمواجهة.
في عالمٍ يعتاد المواربة، جاءت كتابتها عارية من المجاملة، مشتعلة بالصدق، ثقيلة بالمسؤولية.
في الأزمنة الفاصلة بين الانكسار والنهضة، حين يعلو الضجيج حتى يبتلع المعنى، وحين تتشابه الأصوات حتى تفقد اللغة دهشتها، تولد أقلام لا تأتي من العادة، بل من الضرورة.
أقلام لا تُولد لتملأ الفراغ، بل لتصنعه، وميادة سليمان واحدة من تلك اللحظات النادرة في تاريخ الكتابة؛ ليست اسمًا يُضاف إلى المشهد، بل تحوّلًا فيه، ليست تجربة عابرة، بل منعطفًا لغويًا وأخلاقيًا وجماليًا.
إنها لا تكتب بالكلمات، بل تنفخ الروح في الحروف.
وحين تضع النقطة الأخيرة، لا ينتهي النص، بل يبدأ القارئ.
ميادة سليمان لا تتعامل مع اللغة كوسيلة، بل ككائن حيّ.
تخاطبها، تجرّحها، تضمّدها، ثم تطلقها حرّة في النص.
الكلمة عندها ليست شكلًا بل مصير، وليست زينة بل مسؤولية، وليست صوتًا بل موقفًا.
في كتابتها، لا نجد اللغة كما نعرفها، بل اللغة كما ينبغي أن تكون: نارًا حين يجب أن تحرق الزيف، وماءً حين يضيق القلب، وسيفًا حين يتطلب الحق شجاعة، وأغنيةً حين يحتاج الوجع إلى عزاء.
ميادة سليمان لا تصف الألم؛ تستحضره حيًّا. ولا تكتب عن الحب؛ تجعله كائنًا يتنفس بين السطور. ولا تلامس القضايا الإنسانية؛ تغوص فيها حتى العظم، ثم تخرج بنصٍّ مضمّخ بالحقيقة، عاريًا من الزيف، مشتعلاً بالصدق.
وحين تكتب، لا تترك للقارئ مساحة حياد؛ إما أن يدخل النص كاملًا، أو يبقى خارجه إلى الأبد.
هي الكاتبة التي حوّلت الومضة إلى برقٍ كاشف، والقصة إلى أثر، والقصيدة إلى امتحان وجودي.
كل نص لها ملحمة مصغّرة؛ معركة بين الصمت والكلام، بين الخوف والجرأة، بين ما يُقال وما لا يُجرؤ على قوله.
وما يمنح كتابتها هذه القوة النادرة ليس العنف اللفظي ولا الزخرفة البلاغية، بل النبالة: نبالة الرؤية التي لا تخون الإنسان، ونقاء القصد الذي لا يساوم، وسموّ اللغة التي لا تهبط لتُصفّق، بل ترتفع لتُضيء.
تكتب وكأن التاريخ يراقب فعلها، وكأن الذاكرة ستُحاسِب، وكأن القارئ ليس فردًا، بل ضميرًا جمعيًا ينتظر من ينطق باسمه دون تزييف.
في زمن الاستهلاك السريع، جاءت بنصوص تقاوم النسيان.
في زمن الضجيج، جاءت بلغة تُسمَع بالقلب قبل الأذن.
وفي زمن الخوف، جاءت بقلم لا يعرف الانحناء ولا التبرير.
هي لا تتبع المدارس الأدبية؛ لأن المدارس تقوم على التكرار، أما هي فـ فعل اكتشاف دائم.
ولا تبحث عن الضوء؛ الضوء يتبعها.
ميادة سليمان ليست كاتبة تُقرأ على عجل، بل تجربة تُعاش ببطء. وليست نصوصها صفحات تُطوى، بل مرايا تكشف، وندوب تذكّر، وأجنحة تجرّب الطيران رغم الألم.
وحين يُكتب يومًا تاريخ الأدب العربي بصدق، لن تكون في الهامش، بل في القلب، حيث تُكتب الأسماء التي لم تمرّ… بل غيّرت الطريق.
ميادة سليمان، حين تصبح الكلمة قدرًا، وحين يغدو الأدب موقفًا، وحين يتحوّل النص إلى شهادة حياة… ووعدٍ بالخلود.
