احتفل مجمع اللغة العربية الأردني، ، باليوم العالمي للغة العربية، في مقره بعمان، بحضور رئيس المجمع الأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت، ونائبه الأستاذ الدكتور إبراهيم بدران، وعدد من أعضاء المجمع، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والمثقفين والمهتمين بالشأن اللغوي والثقافي.
ويأتي هذا الاحتفال تأكيدًا على مكانة اللغة العربية ودورها المحوري في بناء الحضارة الإنسانية، وإسهامها العلمي والثقافي في مختلف مجالات المعرفة عبر العصور.
واستُهلت الفعالية بكلمة ألقاها رئيس المجمع الدكتور البخيت بعنوان: «اللغة العربية ولغات الشعوب الإسلامية… تواصل متجدد على مدار العصور»، تناول فيها طبيعة العلاقة التاريخية بين العربية ولغات الشعوب الإسلامية، مؤكدًا أنها قامت على التفاعل والتكامل لا على الإقصاء أو الصراع. وأوضح أن العرب المسلمين لم يقفوا موقف العداء من لغات الشعوب التي دخلت في إطار الدولة الإسلامية، بل اعتمدوا العربية لغةً للدين والحكم والإدارة، مع احترام الخصوصيات اللغوية المحلية.
وأشار البخيت إلى أن مكانة اللغة العربية شهدت تراجعًا نسبيًا مع ضعف الدولة العباسية وظهور الإمارات والسلطنات البعيدة عن مركز الخلافة، مبينًا أن العربية، رغم ذلك، ظلت لغة العلم والفقه والأدب، وتأثرت بها لغات الشعوب الإسلامية التي اقتبست منها مفردات واسعة، خاصة من القرآن الكريم والحديث الشريف ولغة الدواوين.
ولفت إلى أن وحدة الثقافة العربية الإسلامية تتجلى في مظاهر عديدة، من بينها العمارة الإسلامية، ونصوص الإجازات العلمية، والحرف العربي، ودلالات المئذنة، فيما ظلت لغة الحياة اليومية مزيجًا من العربية واللغات المحلية، مع مرونة واضحة في الخطاب الديني، مستشهدًا بما كان يحدث في بخارى، حيث كان الخطيب يلقي خطبته بالعربية ويشرحها باللغة المحلية.
وتناول الدكتور البخيت الحركة الشعوبية التي ظهرت في أواخر العصر الأموي، مشيرًا إلى محاولاتها النيل من العرب ولغتهم، مؤكدًا أن علماء وأدباء كبارًا، مثل الجاحظ والهمذاني، تصدّوا لتلك الدعوات ودافعوا عن مكانة العربية ودورها الحضاري.
وفي ختام كلمته، شدد البخيت على أن العلاقة بين العربية ولغات الشعوب الإسلامية علاقة تكاملية، واصفًا إياها بعلاقة الأبناء بأمهم، وداعيًا إلى تعميق دراسة هذه اللغات وتعزيز التفاعل الثقافي المشترك في مواجهة التحديات الحضارية المعاصرة.
وتضمن برنامج الاحتفال محاضرة فكرية بعنوان: «اللغة العربية وعالم القيم»، قدّمها المفكر والفيلسوف العربي الأستاذ الدكتور فهمي جدعان، تناول فيها ارتباط اللغة العربية بمنظومات القيم الأخلاقية والجمالية والدينية، مؤكدًا أن اللغة العربية تمثل وعاءً ثريًا للقيم الإنسانية والوجدانية.
وأوضح جدعان أن مفهوم «القيمة» يعد من المفاهيم المركزية في الفلسفة الإنسانية، وأن القيم تتنوع بتنوع الحقول المعرفية، مشددًا على ضرورة أن تكون اللغة منفتحة على التحولات الحديثة، وقادرة على استيعاب الألفاظ والمفاهيم التي تفرضها الوقائع الاجتماعية والثقافية المعاصرة.
وتوقف عند القيمة الجمالية بوصفها أحد مقومات اللغة الحية، مشيرًا إلى أن الذائقة اللغوية الحديثة تميل إلى الوضوح والصدق والبعد عن التكلف، وهو ما يفسر انتشار لغة المجددين من الأدباء قديمًا وحديثًا. واختتم محاضرته بالتأكيد على أن جمال العربية المعاصرة يتحقق من خلال البساطة والوضوح، واستحضار البعد الوجداني، والابتعاد عن التكرار والإطناب غير المبرر.
كما اشتملت الاحتفالية على إلقاء قصيدة شعرية بعنوان «عربي على باب اللغة» للشاعر لؤي أحمد، عبّر فيها عن ارتباط الإنسان العربي بلغته وهويته الثقافية، بأسلوب شعري معاصر.
وعلى هامش الاحتفال، أعلن المجمع أسماء الفائزين بجوائزه الثقافية في دورتها العاشرة لعام 2025، حيث فاز بجائزة أفضل كتاب مترجم مناصفة كل من الدكتور حمزة محمد أبو عيسى، والأستاذ الدكتور سعد عبدالله مقداد، عن ترجمة كتاب «العدالة اللغوية: القانون الدولي والسياسة اللغوية»، فيما نال جائزة أفضل كتاب مؤلف الدكتور هيثم حامد المصاروة عن كتابه «معجم مصطلحات قانون العمل».
كما أُعلنت نتائج جوائز (لغتي هويتي) للتحقيق الصحفي، وجوائز اللوحة الحروفية، وفن الخط العربي للكبار والناشئة، إضافة إلى تكريم العشرة الأوائل في امتحان الكفاية في اللغة العربية لعام 2025، وعدد من الطلبة المتطوعين في إذاعة المجمع «فصحى أف أم».
واختُتم الحفل بتكريم أعضاء لجان التحكيم والخبراء الذين أسهموا في إنجاح المسابقات والأنشطة المصاحبة للاحتفال.
