عروبة الإخباري – كتب سماح مطر –
تتجاوز الأزمة الفنزويلية حدود الصراع السياسي الداخلي، لتتحول في حال تطورها نحو تدخل عسكري أميركي بري إلى واحدة من أخطر بؤر التوتر القادرة على إحداث هزّات عميقة في أسواق الطاقة العالمية. ففنزويلا ليست دولة نفطية عادية، بل تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ما يجعل أي اضطراب في استقرارها مسألة دولية بامتياز، تتشابك فيها الجغرافيا السياسية بالاقتصاد العالمي.
النفط في قلب المعركة
يشكل النفط العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي، كما يمثل ورقة استراتيجية في ميزان الطاقة العالمي، خصوصًا في ظل هشاشة التوازن بين العرض والطلب. وفي حال حدوث تدخل عسكري بري، فإن المخاطر لا تقتصر على توقف الإنتاج المباشر، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تدخل عوامل الأمن والتأمين والنقل البحري في دائرة التأثير.
حتى من دون توقف كامل للإنتاج، يكفي تصاعد التوتر العسكري لرفع كلفة التأمين على الشحنات النفطية، وزيادة مخاطر النقل عبر البحر الكاريبي، ما ينعكس مباشرة على الأسعار العالمية، ويضخ جرعة جديدة من التقلبات في سوق يعاني أصلًا من حساسيات سياسية ومناخية واقتصادية متراكمة.
من الاضطراب إلى القفزة السعرية
في السيناريو الأسوأ، أي انزلاق فنزويلا إلى مواجهة مفتوحة أو حرب أهلية طويلة الأمد، يصبح توقف الإنتاج أو تقلصه بشكل حاد احتمالًا واقعيًا. هنا، لا تعود الأسواق أمام ارتفاع مؤقت في الأسعار، بل أمام قفزة حادة قد تعيد النفط إلى مستويات قياسية، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع توترات أخرى في مناطق إنتاجية حساسة.
فقدرة الدول الأخرى على تعويض النقص الفنزويلي ليست مطلقة، كما أن استخدام الاحتياطات الاستراتيجية يبقى حلًا مرحليًا لا يمكن الاعتماد عليه طويلًا، ما يجعل السوق أكثر عرضة للصدمة كلما طال أمد الأزمة
رابحون مؤقتون… وخاسرون دائمون
قد تبدو بعض الدول المنتجة، ولا سيما في منطقة الخليج، مستفيدة على المدى القصير من ارتفاع الأسعار، إذ ينعكس ذلك زيادة في الإيرادات وتحسنًا في الميزانيات. غير أن هذه الاستفادة تبقى ظرفية، لأن أي اضطراب كبير في سوق الطاقة يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما ينعكس لاحقًا تباطؤًا في النمو وتراجعًا في الطلب.
في المقابل، تدفع الدول المستوردة للنفط الثمن الأكبر، خصوصًا الدول ذات الاقتصادات الهشة أو التي تعاني من أزمات مالية، مثل مصر ولبنان حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة كلفة الاستيراد، وتضخم فاتورة الدعم، وضغوط إضافية على العملات الوطنية، ما يفاقم الأزمات الاجتماعية والمعيشية.
البعد الجيوسياسي للأزمة
لا يمكن فصل تداعيات التدخل العسكري المحتمل عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فأي مواجهة في فنزويلا ستفتح الباب أمام اصطفافات دولية جديدة، وتدخلات غير مباشرة، ما يطيل أمد الأزمة ويحولها من حدث محلي إلى صراع إقليمي – دولي، تكون أسواق الطاقة أول ضحاياه.
كما أن استخدام النفط كورقة ضغط أو كسلاح اقتصادي سيزيد من هشاشة النظام الطاقوي العالمي، ويدفع الدول إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة وأقل استقرارًا على المدى القصير.
ما بعد الصدمة
في الخلاصة، لا يشكل التدخل الأميركي البري في فنزويلا مجرد خيار عسكري، بل مقامرة عالية الكلفة في سوق الطاقة العالمية. فالسيناريو الأسوأ لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل يعني موجة جديدة من عدم اليقين، قد تمتد آثارها إلى التضخم العالمي، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي للدول الأكثر ضعفًا.
وفي عالم لم يتعافَ بعد من أزمات متلاحقة، يبدو أن أي شرارة جديدة في دولة نفطية بحجم فنزويلا كفيلة بإشعال أزمة طاقة تتجاوز حدود القارة الأميركية، لتطال العالم بأسره.
قد نشهد حينها توقفًا جزئيًا أو كليًا للمعامل الصناعية في عدد من الدول، خصوصًا تلك التي تعتمد بشكل مباشر على الوقود المستورد لتشغيل مصانعها ومحطات توليد الكهرباء. كما قد تتكرر مشاهد تقنين قاسٍ أو انقطاع الكهرباء في أصقاع مختلفة من العالم، ليس فقط في الدول الفقيرة أو الهشة، بل حتى في اقتصادات متقدمة تعاني أصلًا من ضغوط على شبكاتها الطاقوية
