صدر حديثا ديوان «أعراف الرياح/ موشحات»، للشاعرة الدكتورة رانيا أبو عليّان، عن دار العنقاء للنشر والتوزيع، تقول في مقدمته إنّها لم تكتب موشّحاً أندلسيّاً «لكنني شممت أريج الأندلس من دواوين الأندلسيّين وعبق المؤرخين، فعشتُ حالة كأني على مفترقٍ بين زمنين ومكانين وحّدهما اللسان».
وقد تضمن الديوان مقدمة للأستاذ الدكتور صلاح جرّار، الذي رأى أن الشاعرة نجحت في اختيار عنوانٍ لديوانها له جاذبيته وتأثيره ودلالاته واتصاله الذكيّ بموشّحات الديوان وقصائده، وهذا العنوان هو «أعراف الرياح».
ويضيف الدكتور جرار في مقدمته: «وما دام القسم الأوّل من هذا الديوان أندلسيّ الطابع والوجه واللسان ومفعماً بروائح الأندلس وعطرها وصورها وموسيقاها، فلا شكّ أنّ عنوان (أعراف الرياح) هو الأكثر مناسبةً لهذه المضامين البديعة. وهذه الأعراف التي تنطلق من عنوان هذه المجموعة الإبداعية ليست أعرافاً ساكنة ذات أثر محدود وفي نطاق محدود، بل هي أعراف مقترنة بالرياح التي تكفل انتشاراً واسعاً غير محدود ومرتبطاً بحركة الرياح، ولم تقل الشاعرة (أعراف النسيم) مثلاً، مع أنّ النسيم ذو قدرةٍ على نقل العطور إلى الناس، بل اختارت (الرياح) لأنّ الرياح أكثر قدرة وأبلغ تأثيراً على حمل تلك الأعراف إلى أبعد مكان. لكنّ فطنة الشاعرة الدكتورة رانيا أبو عليان في اختيارها هذا العنوان أنّها اقتبسته من موشّحة لابن زهر الإشبيلي الحفيد يقولُ في جزءٍ منها:
شابَ مسْكَ اللّيلِ كافورُ الصباح
ووشَتْ بالروضِ أعرافُ الرياح
وهو اختيارٌ ذكيّ وموفّق يحرص على الربط بين عنوان الكتاب ومضمونه. وقد أجادت الشاعرة كثيراً في عدم الاكتفاء بالكلمة للتعبير عن مضامين موشّحاتها وقصائدها بل أضافت إليها لوحات تعبيرية متقنة تقرن الكلمة بالصورة لضمان تواصلٍ أكثر مع القارئ.
وديوان «أعراف الرياح» الذي بين أيدينا يقع في قسمين يكادان يكونان متساويين هما: الموشحات والقصائد، أمّا الموشّحات فعددها (26) موشّحة، وعدد القصائد (22) قصيدة، وقد حرصت الشاعرة رانيا أبو عليّان على أن تكون الموشحات والقصائد رشيقة القوام خفيفة الظلّ، دون أن يخلّ ذلك بغزارة المعاني واحتشادها البهيّ، وهي بذلك تضمن عدم شعور القارئ بالملل.
ويستطرد د. جرار: وبالنظر إلى موشّحات هذا الديوان أقول: لو لم يكن اسم صاحبة هذا الديوان الدكتورة رانيا أبو عليّان متصدّراً للصفحة الأولى من الديوان لما شككت لحظة واحدة أنّ قسم الموشحات في هذا الديوان ينتمي للزمن الأندلسيّ وأنّه من نظم وشّاح أندلسيّ أنجبته الأندلس واستغرق في انتمائه لها ولثقافتها وأدبها وروحها ومجتمعها وبيئتها الخلّابة.
ومن يمعن النظر في نصوص هذه الموشحات يدرك من القراءة الأولى أنّ الشاعرة تمثّلت الموشحات الأندلسية تمثّلاً لا يحيد عنها قيد شعرةٍ في مفرداتها وصورها ومعانيها وإيقاعاتها، وأنّها استوعبت جميع عناصر فنّ الموشح استيعاباً عميقاً وشاملاً، فهي تمتلك ناصية الموسيقى الأندلسية بإيقاعاتها العذبة امتلاكاً ماهراً، وتتصرّف في أوزان الموشّحات وأبنيتها، متنقلة بسلاسة بين المتحرّك والساكن وبين المقاطع الطويلة والمقاطع القصيرة، وبين الأقفال والأدوار والأسماط، وبين البحور التامّة والبحور المجزوءة، وبين بحر الرمل والسريع والمتدارك والهزج والخفيف وسواها. فترى نفسك وأنت تقرأ ما نظمته من موشّحات كأنّك تجول في حدائق الأندلس وتفيء إلى مجالسها وتطوف بين صفحات كتاب دار الطراز في عمل الموشّحات لابن سناء الملك، وكتاب توشيع التوشيح لصلاح الدين الصفدي، وكتاب جيش التوشيح للسان الدين بن الخطيب، وتقرأ موشحات عبادة بن ماء السماء وابن زهر الإشبيلي ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم، فكلّهم حاضرون في نصوصها بملامحهم السمحة المستبشرة وهيئاهم الزاهية.
وأمّا القسم الثاني من هذا الديوان فهو قسم القصائد وعددها (22) قصيدة، وهذه القصائد لا تختلف عن الموشّحات في القسم الأوّل من حيث رشاقتها وقلّة عدد أبياتها، وأكثر القصائد مؤلّفة من خمسة إلى اثني عشر بيتاً، إلاّ أنّ هذه القصائد تختلف عن الموشّحات في موضوعاتها، فلئن كانت الموشّحات تميل إلى موضوع العشق والطبيعة والحنين والشكوى إلاّ ما ندر فإنّ القصائد، وكلّها على النمط العمودي التقليدي، هي قصائد وطنية تتغنى بالأماكن ما قَرُبَ منها وما بَعُد، فمنها قصائد تتغنى بعمّان والأردنّ وقيادته الهاشمية، ومنها ثلاث قصائد تتعاطف مع غزّة وتتغنى ببطولاتها، ومنها ثلاث قصائد تتغنى بالجزائر، وقصيدة في مصر وأخرى في سمرقند وأخرى في مدينة اللدّ.
وإذا ما تأملّنا عشق الشاعرة للأماكن التي تتغنى بها وتعرفها من خلال خبرة مباشرة أو غير مباشرة، فإنّه يتبين لنا أنّ عشقها للأندلس الذي تبدّى من خلال الموشحات مصدره شغفها بالأماكن، ولا يتعلّق بالأماكن إلاّ من كان ذا حظٍّ عظيم من الطبع الرقيق الذي يتولّد عنه الإبداع الصافي والشعر العذب. ولو تأمّلنا المقطوعات والقصائد التي تضمّنها هذا الديوان (أعراف الرياح) لوقفنا على لغة صافية وعبارات سلسة ومفردات عذبة منتقاة تشفّ عن ثقافة أدبيّة ولغويّة وتاريخية ومراسٍ في التشكيل اللغويّ والإبداعي وبراعةٍ في رسم الصور وتوليد المعاني التي تلائم الموضوعات التي تنتظم هذه القصائد.
