الإعلامية والكاتبة، والمحاورة، الأردنية هند خليفات، ليست اسمًا عابرًا في سجل الإعلام، ولا وجهًا تلتقطه الكاميرا ثم تمضي، هي حالة، وصوتٌ يعرف طريقه إلى المعنى دون أن يستأذن.
في زمنٍ تُستهلك فيه الكلمات بسرعة الضوء، تأتي هند لتعيد للكلمة وزنها، وللصوت وقاره، وللإعلام روحه الأولى: الصدق.
هند خليفات لا تقف أمام المشهد، هي جزء من نسيجه.
تخرج من عمق البداوة لا كحنينٍ جامد، بل كقيمةٍ حيّة تمشي بثقة بين الحداثة والهوية، تُتقن العبور بين عالمين دون أن تفقد ملامحها، ودون أن تُساوم على لغتها أو موقفها.
في حواراتها، لا تُحاصر الضيف بالأسئلة، بل تفتح له نافذة، تعرف متى تصمت، ومتى تترك للكلمة أن تُكمل طريقها وحدها. تستمع أكثر مما تتكلم، ولهذا تُصيب أكثر مما تُجامل.
أما كتابتها، فهي ليست نصوصًا تُقرأ، بل مرايا تُواجِه. ساخرة حين يجب، حادة حين يلزم، وشاعرية دون تكلّف.
تكتب عن المرأة لا كقضية موسمية، بل ككائنٍ كامل، متناقض، قوي، هش، وصادق.
وطنٌ كاملٌ يمكن أن يُختصر في امرأة تعرف أين تقف، ولماذا تقف.
تؤمن أن الانتماء ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكٌ يُمارَس حين لا يصفّق أحد.
هند خليفات لا تتحدث عن الوطن كجغرافيا، بل كأخلاق. كوعدٍ غير مكتوب بين الإنسان وأرضه، بين الصوت والحقيقة.
في فلسفتها الإعلامية، الوطن ليس خبرًا عاجلًا، ولا موسمًا عاطفيًا، بل سؤالٌ دائم: ماذا نفعل حين نملك المنبر؟ وهل نختار الصدق… أم السلامة؟
لهذا تبدو كلماتها مشحونة بوعيٍ يشبه النار، نار لا تحرق،
بل تُنقّي. نار تُذكّر أن الحرية لا تُستعار، وأن الهوية لا تُفاوض، وأن الإعلام حين يفقد ضميره يتحوّل إلى ضجيج بلا أثر.
هند خليفات لا ترفع صوتها لتُسمَع، بل تُسمَع لأنها تعرف ما تقول. تؤمن أن الإعلام ليس منصة استعراض، بل مسؤولية، وأن التأثير لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بعمق الأثر الذي يتركه الكلام في الوعي.
هي ابنة الصحراء التي تعلّمت من اتساعها أن الحرية لا تُمنح، وأن الطريق الطويل هو الطريق الصحيح. وتقف في المسافة الأصعب: بين الولاء الأعمى، والتمرّد الفارغ. تختار طريقًا ثالثًا، طريق العقل، حيث الوطنية موقف أخلاقي، لا نشيدًا يُردَّد ثم يُنسى.
هند خليفات ليست مشروع نجومية، بل مشروع معنى. والمعنى… هو أندر ما نملك اليوم.
