عروبة الإخباري –
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قيمة الأصوات بارتفاعها، بل بقدرتها على الثبات، والنشمية الأردنية، ريم عمّاري، واحدة من تلك الأصوات النادرة التي لم تُغوَها الموجة، ولم تُرهقها الساحة، ولم تُبدّل مواقفها وفق اتجاه الريح. هي ليست طارئة على المشهد الثقافي الأردني، بل امتداد عميق له، وجزء من تكوينه الحديث، حيث التحدي الحقيقي لم يعد في قول الكلام، بل في كيفية قوله، ولماذا يُقال، ولمن.
وفي الأردن، حيث النشمية ليست مجرد صفة عابرة بل خُلُق متأصل، تبرز ريم عمّاري كحالة استثنائية في الخطاب الثقافي المعاصر؛ حالة تمزج بين جرأة الموقف، وصدق الكلمة، ونقاء الرؤية، ونشمية أردنية أصيلة تجعلك تؤمن أن الدفاع عن الوطن يبدأ من الدفاع عن العقل والقيم، وأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بمدى احترام المبادئ وصون المسؤولية.
ريم عمّاري ليست مجرد صوت عابر، بل حضورٌ متراكِم للأثر؛ حضور يتجلى في الكتابة المسؤولة، والنقد الراقي، والتفاعل الواعي مع قضايا المجتمع دون إسفاف أو استعراض، فهي نشمية في القول، نشمية في الموقف، وأردنية في بوصلتها، لذلك حين تكتب أو تتحدث، لا تفعل ذلك لتقول “أنا هنا”، بل لتؤكد أن الوطن أولًا، وأن الكلمة إن لم تكن شريفة، فلا تستحق أن تُقال.
من هذه المساحة تحديدًا، تكتب ريم عمّاري سرديتها؛ سردية لا تُجمّل الواقع ولا تُشيطنه، بل تواجهه بعقل بارد وقلب مشتعل، وتذكّرنا بأن الوطنية ليست صخبًا، بل مسؤولية، وأن النشمية الحقيقية هي أن تقول الحق، وتبقى واقفًا خلفه، مهما كانت الرياح عاتية.
ريم عمّاري تمثل حالة وعي متقدّمة؛ كاتبة تعرف أن الكلمة ليست زينة لغوية، بل عقد أخلاقي بين الكاتب وناسه ووطنه. لذلك لا تكتب من علٍ، ولا تخاطب الناس بوصفهم جمهورًا، بل شركاء في الهمّ والمصير، خطابها لا يقوم على الاستعراض الثقافي، ولا على ادّعاء النخبوية، بل على وضوح الرؤية واحترام العقل الجمعي، وهو ما منحها مكانة لا تُشترى ولا تُصنَع.
وفي جوهر هذا الحضور، تتجلّى النشمية الأردنية بأبهى صورها؛ لا بوصفها توصيفًا شعبيًا عابرًا، بل كمنظومة قيم: شجاعة بلا تهوّر، صراحة بلا قسوة، ووفاء بلا ادّعاء. نشمية تعرف متى تتقدّم للدفاع عن الفكرة، ومتى تتراجع احترامًا للعقل والحوار. نشمية لا تبحث عن الغلبة، بل عن الصواب، ولا ترى في النقد خصومة، بل واجبًا أخلاقيًا.
في زمن امتلأ بالضجيج الرقمي، اختارت أن يكون حضورها مختلفًا. فيديوهاتها على منصات التواصل ليست استعراض رأي، بل ممارسة مسؤولية. تتحدث بنبرة الأردنية الواثقة، التي لا تحتاج إلى رفع الصوت لتُسمَع، ولا إلى التجريح لتُقنِع. ولهذا يُشار إلى محتواها بالبنان، لا لأنه الأعلى صخبًا، بل لأنه الأكثر اتزانًا وصدقًا.
ريم عمّاري تنتقد، نعم، لكنها تفعل ذلك بنَفَس النشمي؛ ذاك الذي يقول ما يجب قوله، ثم يقف بثبات خلف كلمته. نقدها ليس جلدًا للذات، ولا مسايرة للغضب العام، بل تشخيص عقلاني يهدف إلى الإصلاح لا الهدم. هي تؤمن أن الوطنية لا تعني الصمت عن الخطأ، كما لا تعني تحويل الخطأ إلى ساحة تصفية، بل إلى فرصة مراجعة ونهوض.
وحين تصل إلى الحديث عن الأردن، فإنها لا تستدعي وطنًا متخيّلًا، بل تستحضر وطنًا معيشًا. وطن النشامى والنشميات، حيث الكرامة سلوك يومي، وحيث التآخي بين مسلمي ومسيحيي الأردن ليس فكرة تُدافَع، بل حياة تُعاش. تكتبه كما هو: خبزًا وملحًا، جيرةً وذاكرة، أعيادًا متداخلة، وأسماء لا تُسأل عن معتقدها بقدر ما تُحترم لإنسانيتها.
في نصوصها، يبدو هذا التآخي طبيعيًا إلى حدّ البديهية، وكأنها تقول إن السؤال عنه هو الاستثناء، لا وجوده. وهنا تكمن قوة طرحها: أنها لا تحشد للدفاع عن فكرة هشّة، بل تذكّر بحقيقة راسخة شكّلت وجدان الدولة والمجتمع معًا.
ريم عمّاري ترفض تفكيك الهوية الوطنية إلى مكوّنات متصارعة، وتقاوم اختزالها في شعارات. هي ترى الأردن فكرة جامعة قبل أن يكون جغرافيا، ومسؤولية نشمية قبل أن يكون انتماءً عاطفيًا. لذلك جاءت كتابتها وطنية بلا صراخ، نارية بلا فوضى، جريئة بلا إساءة، ونشمية في جوهرها ومقصدها.
ما يجعلها مؤثرة بحق، ليس عدد المتابعين، بل نوعية الأثر. جمهورها لا يتلقّى منها وصايا، بل يشاركها التفكير. هي لا تمارس الوصاية، بل تثق بالعقل الأردني، وبقدرة الناس على الفهم والتمييز. وهذا بحد ذاته موقف نشميّ في زمن الاستسهال.
ريم عمّاري تنتمي إلى فئة نادرة من المثقفين الذين فهموا أن المنصات الرقمية اختبار للقيم، لا بديلًا عنها. لذلك حافظت على مستوى لغوي وأخلاقي عالٍ، ورفضت الانزلاق إلى الابتذال، حتى في لحظات الاشتباك الفكري الحاد.
هي ليست فقط كاتبة ومؤثرة، بل نشمية في الموقف، وأردنية في الروح، وضمير سردي معاصر. تكتب الوطن كما يُحب أن يُكتب: بعقل واعٍ، وقلب شجاع، وكلمة تعرف وزنها.
ريم عمّاري من ملح هذه الأرض…
ومن نشميّتها.
والملح، حين يقترن بالنشمية، لا يحفظ المعنى فحسب،
بل يحمي الوطن من التآكل.
