جمال عياد – (ناقد مسرحي أردني)
عُرضت على مسرح الجامعة الهاشمية مسرحية «مسافر ليل» من تأليف صلاح عبد الصبور (1931-1981)، وإعداد المخرج الأردني عبد الصمد بصول، وقام بأداء الشخوص عدد من طلبة الجامعة.
جاء الفضاء الدرامي للعرض قريباً من مناخات العبث، وذهب تيار الوعي فيه إلى استخدام البعد النفسي في طرح مقولات المسرحية، التي تدور حول استلاب حقوق الفرد، الأمر الذي يدفعه إلى الاغتراب والشعور بالوحدة أمام بنية المجتمع الذي ينظر إليه كجزئية مهمشة لا قيمة لها، ويكتشف الفرد أنه معاناته ستظل مستمرة، لأن ديمومة هذه البنية مرهونة باستمرار استغلاله ومعاناته.
تحضر في سياق العرض متوالية (أو نظرية) «السيد والعبد»، فكلما ازداد تسلط السيد تمسك العبد به، نحو علاقة مازوشية. لذلك اتجهت المعالجة الدرامية نحو أعماق الشخوص لجهة البعدين النفسي والاجتماعي، ودونما إغفال للبعد السياسي، الذي بدا متوارياً في الأبنية المضمرة للعرض.
تدور الأحداث في مكان وزمان غير محددين، عن شخوص يجدون أنفسهم عالقين في مكان طيني، يحاولون أن يتحرروا منه، وكلما اعتقدوا أنهم نجحوا في الفكاك منه، وجدوا أنفسهم لاحقاً في فضاء أسوأ من ذي قبل، وهكذا دواليك، يظلون يهربون إلى الأمام دون أن يصلوا للراحة النفسية التي ينشدونها.
فبعد مغادرة الفضاءات الطينية، يجد هؤلاء الشخوص أنفسهم، في المرحلة الثانية من رحلتهم، معرضين بشكل دائم لمطر من الحجارة التي تتساقط عليهم من السماء، ثم يكتشفون في المشاهد اللاحقة، في مرحلتهم الثالثة، أنهم يعيشون في أرض مليئة بالذهب، ويعتقدون أن واقعهم قد تغير، ولكن صراعهم على الذهب يعيد العلاقات إلى بؤسها السابق، لا بل تصبح أكثر شقاءً، حيث تقرر السلطة في السياق الرمزي للعرض الحكم عليهم بالموت.
وفي لحظات ما قبل تنفيذ العقوبة، يأخذ كل منهم بالبوح عبر مونولجات تعبر عما يمور في دواخلهم من خوف وانكسار وانهيار نفسي، بالرسم على الحائط الداخلي للمسرح، ليغدو الحائط معرضاً للوحات تشكيلية تعبر عن الحالات النفسية التي مرت بها شخوص المسرحية.
ويكتشف شخوص المسرحية أن الحرية التي كانوا ينشدونها موجودة في الجنة، فتتغير أمزجتهم وهواجسهم، عن ذي قبل، في بداية رحلتهم، إلى الفضاء الأخير الذي وصلوه بعد معاناة شديدة.
ركزت الرؤية الإخراجية القائمة على مسرح الصورة، على المنظر البصري لكتل الممثلين جماعياً وفردياً، في طرح المعاناة لدى الشخوص، عبر علاقاتهم مع بعضهم بعضاً أو عبر ما يصادفونه من تحديات مع جهات أخرى، بلغت حد قتلهم.
كما اشتغلت الرؤية الإخراجية للبصول، على تقنيات الفعل الداخلي النفسي، الذي هيمن على تعبير الشخصيات. ففي الشخصية المزدوجة (بائع التذاكر/ الطبيب النفسي)، تُظهر الرؤية الإخراجية إصابة (بائع التذاكر) بجنون العظمة، وكلما أَحدثَ أذىً في مَن حوله، كان يعتقد أنه هو الأقوى، مُعوضاً عقدة النقص لديه. أما شخصيات الرُكّاب التي اختزلها عبد الصمد في ستة مُستلَبة الإرادة، فإن ظهورها على المسرح صُمم لتبدو مقتنعة بالاستسلام لأقدارها، لعدم مقدرتها على تغيير واقعها؛ المتسم بحياة الذل والخنوع، لأنها لا تملك أي حقوق على مستوى الواقع.
قدم الشخصياتِ كل من الطلاب: بيان الرفاعي، ومايا أبو الفيلات، وإيمان أبداح، وفريدة خليل، وعبد الكريم الفار، وهيثم مشاقبة، ويامن خصاونة.
