عروبة الإخباري –
ليس كل من يكتب عن القانون ينتمي إلى العدالة، وليس كل من يتقن النصوص قادرًا على حمايتها من التفريغ الأخلاقي. ففي الأزمنة التي تتكاثر فيها القوانين وتتناقص فيها العدالة، يصبح السؤال الجوهري ليس: ماذا يقول النص؟ بل: من يدافع عن روحه؟
في هذا المفترق الدقيق، تتقدّم تجربة الدكتورة ملكة محمد الحلبي بوصفها تجربة فكرية تتجاوز الإطار الأكاديمي، لتلامس جوهر الإشكالية الإنسانية الكبرى: العلاقة بين القانون والضمير، بين الشرعية والعدالة، بين الصمت والمسؤولية. فهي لا تكتب من موقع المحايد، ولا تتوارى خلف لغة باردة، بل تختار أن تجعل من المعرفة موقفًا، ومن التحليل فعل مساءلة.
إن قراءة نصوص الحلبي ليست مرورًا في مقالات رأي، بل دخول في حوار فلسفي مفتوح حول معنى العدالة حين تُعلّق، وحول دور المفكّر حين تتراجع المعايير، وحول مسؤولية الكلمة في زمن الانتهاك الممنهج. فهي تضع القارئ أمام حقيقة غير مريحة: أن القانون، حين ينفصل عن الإنسان، يفقد شرعيته، وأن الصمت، حين يُلبس ثوب الحكمة، يصبح شكلًا من أشكال العنف غير المرئي.
هذه المقدمة ليست تمهيدًا لسيرة شخصية، بل مدخلًا إلى مشروع فكري أخلاقي، ترى فيه الدكتورة ملكة محمد الحلبي أن العدالة ليست منجزًا مؤسسيًا مكتملًا، بل أفقًا إنسانيًا لا يتحقق إلا بوجود من يجرؤ على الدفاع عنه، حتى في لحظات الخسارة، وحتى حين يبدو الصوت وحيدًا.
هنا، يصبح القانون أكثر من علم، ويغدو الفكر أكثر من خطاب، وتتحوّل الكلمة إلى شهادة على زمنٍ اختُبرت فيه القيم، وقرّر فيه البعض أن لا يصمت.
ليست العدالة مفهومًا قانونيًا فحسب، بل هي سؤال فلسفي قديم، يتجدّد كلما تعرّض الإنسان للظلم، وكلما فشلت المنظومات في حمايته. وفي الأزمنة التي يصبح فيها القانون أداة بيد الأقوياء، لا ملاذًا للضعفاء، يظهر دور المفكّر الحقيقي: ذاك الذي يرفض الفصل بين النص والضمير، وبين المعرفة والمسؤولية.
أولًا: القانون بين الشرعية والعدالة
تشتغل الحلبي في عمق إشكالية فلسفية مركزية: هل يكفي أن يكون القانون شرعيًا ليكون عادلًا؟
في كتاباتها، يظهر بوضوح رفضها للاكتفاء بشرعية النص، إذا كان هذا النص عاجزًا عن حماية الحياة والكرامة. وهي في ذلك تقترب من المدرسة النقدية في فلسفة القانون، التي ترى أن العدالة لا تُختزل في التقنين، بل تُقاس بقدرة القانون على منع الظلم، لا تنظيمه.
من هنا، يصبح القانون في فكرها مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة، ويغدو الصمت عن تعطيله شكلًا من أشكال التواطؤ، مهما تزيّن بلغة الدبلوماسية أو الواقعية السياسية.
ثانيًا: غزة… السؤال الأخلاقي المفتوح
غزة، في نصوص الدكتورة ملكة الحلبي، ليست مجرد مكان، بل سؤال فلسفي موجع:
كيف يمكن لنظام دولي يدّعي حماية الإنسان أن يقف عاجزًا – أو متواطئًا – أمام استباحة الحياة؟
حين تكتب عن إبادة الطفولة، فهي لا تكتب عن مأساة إنسانية فقط، بل عن انهيار فكرة العدالة الكونية. فالطفل، في الفلسفة الأخلاقية، هو الكائن الذي لا يملك سوى حقه في الحياة. وإذا لم يستطع القانون حمايته، فإنه يفقد مبرر وجوده.
أما المرأة في غزة، فتخرج في نصوص الحلبي من كونها “ضحية حرب” إلى كونها دليل إدانة على ازدواجية المعايير: امرأة تُقتل، وتُهجّر، وتُنتهك حقوقها الأساسية، بينما تُشلّ آليات المحاسبة باسم التوازنات السياسية.
في هذا المعنى، تتحوّل غزة إلى مرآة كاشفة، لا لجرائم الاحتلال فقط، بل لفشل المنظومة الأخلاقية العالمية بأكملها.
ثالثًا: الصمت كجريمة فلسفية
من أكثر الأفكار حضورًا في فكر الحلبي هو اعتبار الصمت موقفًا، لا فراغًا.
وهو طرح فلسفي عميق، يضع المسؤولية الأخلاقية على عاتق من يملك المعرفة والقدرة على الكلام، لكنه يختار الامتناع.
في عالمٍ تُدار فيه الجرائم بلغة باردة، ترى الحلبي أن أخطر أشكال العنف هو تطبيع الظلم، وتحويله إلى خبر عابر، أو رقم في تقرير. لذلك، تكتب لا لتضيف نصًا إلى أرشيف، بل لتكسر هذا التطبيع، وتعيد للكارثة اسمها الحقيقي.
الصمت، في فلسفتها، ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار الجريمة.
رابعًا: المرأة… من سؤال الحقوق إلى سؤال الوجود
في تناولها لقضايا المرأة العربية، تنتقل الدكتورة ملكة الحلبي من خطاب المطالبة بالحقوق، إلى مستوى أعمق: سؤال الوجود والدور.
هي لا تسأل فقط: ما الذي حُرمت منه المرأة؟ بل تسأل: كيف أُقصيت من صناعة المعنى والقرار؟
وفي قراءتها للمرأة اللبنانية، تظهر المرأة كفاعل تاريخي، لا ككائن هشّ. امرأة صمدت في ظل الانهيار الاقتصادي، وحملت أعباء المجتمع، وأعادت إنتاج الحياة في ظروف شبه مستحيلة.
من هنا، يصبح تمكين المرأة، في فكر الحلبي، ليس مطلبًا حقوقيًا فقط، بل ضرورة وجودية لإعادة التوازن إلى مجتمع مختلّ.
خامسًا: المثقف بين الالتزام والمخاطرة
تجسّد الدكتورة ملكة الحلبي نموذج المثقف الملتزم، بالمعنى العميق للكلمة. ذاك الذي يدرك أن المعرفة ليست محايدة، وأن كل موقف فكري ينطوي على مخاطرة.
هي تكتب وهي واعية أن الكلمة قد تكلّف صاحبها عزلة، أو هجومًا، أو تشويهًا، لكنها في المقابل تؤمن بأن التخلي عن الموقف هو خسارة الذات قبل أي شيء آخر.
في هذا السياق، يصبح القلم عندها فعل مقاومة هادئة، لا صراخ فيها، لكن أثرها تراكمي وعميق.
سادسًا: العدالة كأفق لا كإنجاز
لا تقدّم الحلبي العدالة كحالة مكتملة، بل كأفق يُسعى إليه. وهي بذلك تبتعد عن الخطاب المثالي، دون أن تسقط في اليأس.
فالعدالة، في فلسفتها، ليست وعدًا جاهزًا، بل مسارًا طويلًا، مليئًا بالخيبات، لكنه يظل ضروريًا، لأن البديل عنه هو الفوضى الأخلاقية.
حين يصبح الفكر شكلًا من أشكال الشهادة
الدكتورة ملكة محمد الحلبي ليست مجرد باحثة أو كاتبة، بل شاهدة عصر، اختارت أن تسجّل موقفها في لحظة تاريخية مضطربة. هي تمثّل ذلك النوع من المفكّرين الذين لا يكتبون ليُعجبوا، بل ليتركوا أثرًا، حتى وإن جاء هذا الأثر متأخرًا.
في عالمٍ تتآكل فيه القيم، تذكّرنا الحلبي بأن العدالة قد تُهزم مؤقتًا، لكنها لا تُلغى، وبأن الفكر، حين يقترن بالضمير، يصبح أحد أشكال المقاومة الأكثر نقاءً.
