عروبة الإخباري –
ليس كل من أمسك بالقلم صار سيّد اللغة، وليس كل من كتب امتلك النار، فثمّة من يكتبون، وثمّة من تُكتب أسماؤهم في ذاكرة الحرف، ومن هذا السطر العالي، تبدأ الدكتورة زينة جرادي.
هي ليست ابنة الصدفة، ولا نتاج زمنٍ سهل. هي ثمرةُ صراعٍ طويل بين الصمت والكلمة، بين المعرفة والجرأة، بين ما يُقال وما يجب أن يُقال.
كأن اللغة، وقد ضاقت بمن لا يليقون بها، اختارتها لتكون ملاذها الأخير.
عضويتها في اتحاد الكتّاب اللبنانيين ليست بطاقة عبور، بل ختم اعتراف. اعتراف بأن هذه المرأة من سلالة الذين يعرفون أن الأدب ليس زينة المشهد، بل عموده الفقري، وأن الكتابة ليست ترفًا ثقافيًا بل فعل مقاومة ضد التفاهة، وضد النسيان، وضد موت المعنى.
في كثيرٍ مما تكتب، لا تكون الجرأة خيارًا، بل قدرًا لا فكاك منه، فجرأتها لا تصرخ، ولا تتباهى، بل تمشي ثابتة نحو الجرح، تفتحه لتُري العالم حقيقته، ثم تترك القارئ أمام مرآته دون اعتذار. إنها جرأة الوعي، لا تهوّر اللغة، ولجمال نصّها لمسة شرقية، لا تشبه المستورد ولا المستنسخ.
جمالٌ فينيقيّ الجذور، مغموس بملح البحر، وبحكمة المدن التي هُدمت وقامت مرارًا، ساحرٌ كالحكايات الأولى، حين كان الكلام طقسًا مقدّسًا، والحرف تعويذة بقاء.
كأنها تكتب من ذاكرة المتوسط، ومن رماد الحضارات، فتنهض الكلمة عندها كما الفينيق: كلما احترقت… عادت أكثر نقاءً وقوة.
إعلاميةٌ لا تؤمن بالضجيج، ولا تبيع الصوت مقابل التصفيق. تعرف أن المنبر امتحان أخلاقي، وأن الكلمة المسموعة قد تُنقذ وعيًا أو تضلّه.
لذلك تأتي عبارتها موزونة، حاضرة، غير قابلة للاستهلاك السريع. تصغي كثيرًا، وتتكلم حين يصبح الكلام واجبًا.
أما في الرواية، فزينة جرادي لا تروي حكايات، بل تفتح بوابات، تدخل إلى الإنسان من أضعف نقاطه، وتكتب ما يخشاه الآخرون. شخصياتها ليست أسماء، بل مصائر. تتألّم، تنهزم، تنهض، وتترك في النص أثر حياة حقيقية،لا تمثيلًا لغويًا باردًا.
وحين أسّست دار زينة جرادي للطباعة والنشر، لم تؤسّس مؤسسة ورق، بل أعلنت موقفًا ثقافيًا. دارٌ خُلقت لتكون بيتًا للكلمة الجادّة، وملجأ للأصوات التي ترفض التدجين. مشروعٌ ثقافي يشبه صاحبته: جريء بلا فوضى، أنيق بلا تكلّف،وصارم في احترام النص.
زينة ليست حالة مؤقتة، ولا اسمًا يلمع ثم يخبو. هي أثرٌ طويل، وصوتٌ يعرف طريقه، وكتابةٌ حين تمرّ، تُعيد ترتيب المشهد من جديد.
إنها باختصارٍ لا يختصرها: امرأة إذا كتبت، تغيّر شكل السؤال… وإذا حضرت، ارتفعت اللغة إلى مقامها الحقيقي.
