عروبة الإخباري –
ليست لينا نقل سيرة تُروى، بل حدثًا يُلاحق. اسمٌ يفرض نفسه خارج الاصطفاف التقليدي للأدوار، ويقف في منطقة نادرة حيث يلتقي الفن بالجرأة، والإبداع بالوعي، والصوت بالفعل، وفي كل ظهور لها، تعيد لينا طرح السؤال الجوهري: ماذا يحدث حين تختار امرأة أن تكون نفسها كاملة، دون مساومة؟
من الموسيقى إلى الرقص، ومن خشبة المسرح إلى مساحات التأثير الإنساني، شقّت لينا نقل طريقًا لا يشبه سواه. لم تطلب الإذن، ولم تنتظر التصفيق، بل مشت بثقة على إيقاع شغفها، فحوّلت تجربتها الشخصية إلى مشروع حياة، وصوتها إلى رسالة، وحضورها إلى أثر لا يُمحى في الذاكرة الثقافية.
فنانة تتجاوز التصنيفات
تحدّت لينا نقل الصور النمطية السائدة، وكسرت الحواجز التي حصرت النساء في أدوار محدودة، لتشق طريقها كمغنية محترفة ذات حضور استثنائي، وعلى المسرح، لا تؤدي لينا أغانيها فحسب، بل تحكي قصة؛ تغني، ترقص، تعزف البيانو، وتنسج مشاعرها الشخصية في أداء حيّ نابض بالحياة.
قدّمت أعمالًا موسيقية عربية بروح غربية، جمعت بين الرقي والبساطة، والمرح والعمق، فخلقت لنفسها لونًا موسيقيًا خاصًا لا يشبه سواه. وفي عروضها المميزة مثل «تجاوز النجوم» و*«الحنين»*، أعادت إحياء الأغاني الكلاسيكية التي أحبتها، متأثرة بأصوات عالمية مثل دوريس داي وبيتيولا كلارك، ولكن بطابعها الفريد الذي يحمل بصمتها الخاصة.
البيانو… لغة الروح الأولى
وُلد حب الموسيقى في بيت لينا، حيث كان الغناء والموسيقى جزءًا من الحياة اليومية. بدعم والدين عاشقين للفن، بدأت رحلتها مع البيانو منذ الطفولة، لتصبح عازفة موهوبة تُدهش من حولها بعزفها السمعي وإحساسها العالي.
والبيانو كان لها رفيقًا روحيًا عبّرت من خلاله عن أفراحها وأحزانها، ولا تزال حتى اليوم تشارك هذا الشغف مع جمهور واسع عبر المنصات الرقمية، محافظة على جوهر الموسيقى كفن حيّ يصل القلوب ببساطة وصدق.

صوتٌ يغني للحياة… وللقيم
الغناء بالنسبة للينا ليس مهنة، بل حالة وجود، فهي تغني في كل مكان: في المناسبات العائلية، حفلات الزفاف، جلسات اليوغا، وحتى في أكثر اللحظات حميمية في حياتها. وقد تركت أثرًا عميقًا عندما غنت للأطفال، ومنهم أطفالها وأحفادها، مخصصةً لهم أغنيات تعبّر عن الحب والانتماء.
أنتجت لينا أربعة ألبومات وعدة أغانٍ فردية ناجحة، من أبرزها «همس الليل» و*«إنتَ وبس»*، اللتان تصدرتا قوائم الاستماع في لبنان والأردن. إلا أن انطلاقتها الأوسع جاءت مع أغنية «اللغة العربية»، العمل الذي تجاوز الإطار الغنائي ليصبح بيانًا ثقافيًا، تحتفي فيه لينا بجمال اللغة العربية، وتدعو إلى الحفاظ عليها، في فيديو صُوّر في موقع أم قيس التاريخي، حاملاً بعدًا بصريًا ورسالة حضارية.
وفي امتداد طبيعي لرؤيتها الإنسانية، أطلقت أغنية Song For Peace بعدة لغات، لتقدّم صوتًا فنيًا ينادي بالسلام، بعيدًا عن الجغرافيا والحدود.

الرقص… لغة الجسد حين يتكلم القلب
على خشبة الرقص، تتحوّل لينا نقل إلى مشهد بحد ذاته. رقصها ليس استعراضًا، بل حالة تحرّر كاملة، تتلاشى فيها الحدود بين الجسد والروح. أتقنت أنماطًا متعددة من الرقص اللاتيني ورقص القاعة، من التانغو إلى السالسا، وأصبحت وجهًا مألوفًا وملهمًا في مدارس رقص عالمية مرموقة.
حضورها على أرض الرقص لا يُدرّس، بل يُعاش؛ إيقاع، خفّة، وثقة تملأ المكان.
من الإبداع إلى الريادة
بحدس سيدة أعمال لا يخطئ، التقطت لينا مبكرًا الحاجة إلى منصة تدعم الفنانين المحليين، فأسست Liberty Productions، لتكون مساحة احترافية للإنتاج والتسجيل والتسويق الفني في الأردن.
واليوم، يشكّل الاستوديو في جبل اللويبدة نقطة التقاء للمواهب، ومختبرًا حيًا للأفكار الموسيقية، حيث تتداخل الخبرة بالشغف، وتُصنع المشاريع بروح مستقلة.
سيرة نجاة لا تُخفى
خلف هذا الحضور القوي، تقف قصة إنسانية عميقة، واجهت لينا تحديات شخصية وصحية قاسية، من تجربة الطلاق إلى معركة طويلة مع القلق والرهاب. لكنها اختارت أن تحوّل الألم إلى معرفة، والمعاناة إلى رسالة.
بإرادة صلبة، خرجت من دائرة العلاج الدوائي، واعتمدت على الموسيقى والشفاء الشمولي، لتعيد بناء ذاتها من الداخل إلى الخارج، وتقدّم نموذجًا حيًا عن القوة الكامنة في مواجهة الذات.
صوت النساء ورسالة التحوّل
اليوم، تكرّس لينا نقل تجربتها كمستشارة شمولية ومتحدثة تحفيزية، تعمل على تمكين النساء من استعادة أصواتهن، والتحرّر من الخوف والقيود الاجتماعية، ومن خلال ورش العمل «اكتشفي صوتك»، ومبادراتها الفنية والتوعوية، تقود مسارًا تحويليًا يدمج الفن بالوعي.
كما لعبت دورًا محوريًا في مبادرات إنسانية وتشريعية، أبرزها السعي لتحقيق المساواة في الحقوق المسيحية للنساء، في خطوة جريئة تركت صداها في المجتمع الأردني.
لينا نقل ليست مشروع شهرة، بل مشروع حياة، امرأة حين غنّت، غيّرت الإيقاع، وحين رقصت، أعادت تعريف الحرية، وحين تكلّمت، صار الصوت أثرًا لا يُمحى.
