عروبة الإخباري –
في قلب عمان العتيقة، حيث يلتقي التاريخ بالروح، ينبثق وقف ثريد كفجرٍ مشرق، يحمل بين طياته عبق الكرم، الرحمة، والنخوة الأردنية الأصيلة. هو أكثر من وقف خيري، فهو قصيدة حية للعطاء، وملحمة تتغنى بها القلوب، ورسالة خالدة توثق قدرة الإنسان على نشر الخير دون حدود.
هنا، على أرض الواقع، تتجسد الإنسانية بكل تفاصيلها: طوابير الناس تنتظر بصبر وأمل، وعيونهم تتلألأ بالرجاء، والابتسامات تزين وجوه المتطوعين الذين يقدّمون كل وجبة بروح نقية وقلب صادق، دون تعب، دون كلل، دون انتظار مقابل.
وقف ثريد ليس مجرد مشروع؛ هو ضوء يسطع في ظلمات الحاجة، وعطاء يلمس القلوب قبل الأجساد، وتراث حي يدمج بين التاريخ الإسلامي، وفن الضيافة العربية، وروح الطبع الأردني الأصيل: الكرم، النخوة، والفزعة.
من المركز الرئيسي الملاصق للمسجد الحسيني، حيث المطبخ والمستودع ومركز التوزيع، يمتد العطاء إلى كل مركز فرعي في أنحاء المملكة، لتصل البركة إلى كل محتاج، صغيرًا كان أم كبيرًا، فقيرًا أم محتاجًا، وكل وجبة تُقدّم بعناية فائقة، مزيج بين الجودة، النظافة، والضيافة العربية الأصيلة، كل طبق يحكي قصة كرم، وكل ابتسامة متطوع تحكي ملحمة حب صادق.
إن أعظم ما يميز هذا الوقف أنه يركز على هدف واحد: الإطعام فقط، مستلهماً نجاح الوقف الإبراهيمي في الخليل، الذي ظل يثمر العطاء لأكثر من ٩٠٠ عام. تركيز واضح، عطاء بلا حدود، وحرص على كل تفاصيل العمل: من اختيار المكونات، وترتيب الوجبات، إلى ابتسامة المتطوع عند تقديم الطعام. كل وجبة تُقدَّم تحمل البركة، النية الصافية، والاحترام الكامل للإنسانية، لتصبح صورة حيّة للكرم والرحمة.
أما الثريد، فهو إرث خالد، أكثر من مجرد طعام، وكان أول من هشم الثريد لقومه بمكة كان عمرو بن عبد مناف، في زمن المجاعة، فاستطاع أن يجمع الدقيق من فلسطين ويعد مرقة الثريد لقومه، وجبة توحد الخبز واللحم والماء في تجربة غذائية تحمل الأمل والطمأنينة، وتغذي النفوس قبل الأجساد.
وعند النبي ﷺ، كان الثريد من الأطعمة المفضلة، حيث الخبز يلتقي باللحم، والماء يجمعهما، والقليل من الخل يضيف البركة والنكهة، وقد علمنا ﷺ أن إطعام الطعام، وصلة الأرحام، والصلاة بالليل والناس نيام، سبيلٌ لدخول الجنة بسلام. فالطبق هنا ليس مجرد غذاء، بل جسر للرحمة، سيمفونية بركة، وروحانية تتجسد في كل لقمة، كل ابتسامة، وكل يد تمتد للعطاء.
وعبر العالم، استمر إرث الثريد في صور مختلفة: الثريد، الفتة، التشريبة، القرصان، الشخشوخة، الرفيسة، والمثرودة، مسميات متعددة، لكن الجوهر واحد: عطاء يتجاوز الزمان والمكان، نور يملأ القلوب، دفء يلامس الأرواح، وعطاء يكتب التاريخ بحروف من ذهب.
وفي الأردن، يلتقي هذا العطاء مع روح الطبع الأردني الأصيل: الكرم، النخوة، والفزعة، ليصبح الوقف امتدادًا حيًا للهوية الوطنية، وشهادة على إنسانية لا تعرف الحدود، وتجسيدًا حيًا لمعاني العطاء في أبهى صورها. كل ابتسامة من المتطوعين، كل وجبة توزع بعناية، كل يد تمتد لمساعدة محتاج، هي قصيدة حب للإنسان، ونور يسطع في عتمة الحاجة، ودفء يملأ القلوب.
لقد شاهدت بعيني حجم الجهد المبذول: والتواصل مع الناس بابتسامة وكلمة طيبة. كل هذا يجعل الوقف أكثر من مشروع؛ إنه روح حية، قلب نابض، وعطاء لا ينتهي، يُنقش في ذاكرة المجتمع الأردني، ويصبح مثالًا خالدًا للكرم والرحمة.
وقف ثريد إذًا ليس مجرد مشروع، بل ملحمة كرم مكتوبة على الأرض، وصرخة حب تتردد في قلوب الناس، ونجمة تتلألأ في سماء الإنسانية. حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، والإيمان بالعمل، والكرم بالرحمة، فكل من يشارك فيه يصبح شاهدًا على جمال العطاء، وراويًا لقصص الإنسانية والبركة، ومؤمنًا بأن الخير الحقيقي هو الذي يُطعم الجائع، ويرسم الابتسامة على وجه المحتاج، ويملأ القلوب نورًا وبركة.
وقف ثريد: حيث يصبح العطاء قصيدة، والكرم ملحمة، والإنسانية نورًا لا ينطفئ، لتظل صورته خالدة في ذاكرة كل من لمسها، حاضرة في كل وجبة طعام، في كل ابتسامة، وفي كل قلب ممتن للعطاء النقي.
