ليس بعد تكريم سيدنا عبدالله الثاني رعاه الله تكريم، وليس بعد فخر الأردنيين واعتزازهم الذي ملأ السمع والبصر على مدى أسبوع بالنشامى كلام، وقد صار من بينهم «ابن عمّنا» المغربيّ الأصيل الكابتن جمال السلّامي، صار «منّا وفينا». رحم الله الراحل العظيم سيدنا الحسين وكتب مقامه في عليين، يوم قال إنه سيأتي يوم ويتمنى الناس فيه أن يكونوا أردنيين، فشرف نيل الجنسية الأردنية لا يضاهيه شيء، والتي هي قبل وبعد كل شيء هوية وبوصلة، انتماء وولاء..
رفع نشامى منتخبنا الأردني الذي لا فارق فيه بين الأصلاء والبدلاء في المواجهات الكروية من حيث الاستعداد والروح البطولية، «رفعوا رؤوسنا» كأبطال على منصة التتويج في نهائي كأس العرب، يد الله ترعاهم وتبقى يد اللاعب المغربي الشقيق «حمدالله» أمانة في عنق «الفار» وحكم المباراة. نذكر بالخير مارادونا، النجم الخالد في كرة القدم الأرجنتينية والعالمية، عندما رد على حقيقة تبينت صحتها لاحقا، أنه أحرز هدفا حسم المباراة بلمسة يد غفلت عنها عيون الحكام و»الفيفا» في زمن لم تكن تقنية «الفار» قد عرفت. وقد قيل إن مبتكرها ألمعيّ من اليمن السعيد، استعان بعربة البث الخارجي والنقل الحي لمباراة محلية!
عيوننا الآن على المونديال، على مواجهتنا الكروية مع الجزائر الشقيقة والصديقتين النمسا والأرجنتين. مشوار حافل حتى الصيف المقبل في بلاد العم سام. حافل رياضيا، وزاخر وطنيا بعون الله، وهذا ما أحببت أن أواصل الإشارة إليه الأسبوع الماضي على امتداد انتصارات منتخبنا الوطني في قطر. «وصافة» الأردن في الدوحة كانت بطولة في نظر مشجعي المنتخب من أردنيين وعرب. «التايم لاين» الأردني والخليجي وحتى المغاربي كان حافلا بشهادات أشادت بالأداء الرياضي الفذ، والأهم المستوى المعنوي والأخلاقي الرفيع الذي تميّز به نجومنا، فيما بينهم كمنتخب وعند سلامهم ومعانقتهم أعضاء وكابتن الفريق المغربي الشقيق قبل التتويج خلافا لما حاول المغرضون اجتزاءه وتشويهه من لقطات بثتها حسابات مشبوهة مغرضة، وفيما بينهم أيضا كجمهور حظي بالمشاركة في قطر، أو كانت وجدانية عن بعد مفعمة بالتفاعل الحي، عبر العالم من خلال شاشات التلفاز والألواح والهواتف الذكية.
كلي ثقة بأن القائمين على صناعة النجوم والمعنيين ببقاء ألقهم واستدامة زخم ما حققوه من نتائج باهرة في أي ميدان كان وليس الرياضة أو كرة القدم وحدها، يدركون حجم الفرص المتمثلة بالفريق ككل وبنجوم مختارة منهم ثبت حضورها الجماهيري. ثمة حاجة لإدارة متخصصة في ميادين الإعلام الرياضي والاتصال الجماهيري عموما، لحسابات هؤلاء النجوم المهنية (الرياضية) والشخصية. هم قبل كل شيء من شبابنا الأردني، حيث الرهان على حاضر أفضل ومستقبل أجمل بعون الله. لهم لغتهم الجميلة التي أتمنى أن تبقى غير رسمية بعيدة عن السياسة أو أي اعتبارات أخرى غير رياضية، لغة عفوية شبابية وباللهجات الوطنية الأردنية، بكل مناطقيتها بمعنى محلياتها الأصيلة وخصوصيتها الجميلة.
لنا أن نتخيل مدى تأثير الرسالة التي يوجهها أولئك النجوم -من القلب إلى القلب- وبإنتاج وإخراج رشيق ذكي فنيا، للشباب أنفسهم، لأبناء جيلهم، في تعزيز هويتنا الوطنية وترشيد وتفعيل خطابنا الأردني في شتى ميادين العطاء والفداء، من مكافحة المخدرات إلى محاربة الإرهاب، من الحض على العمل والإنتاج والإبداع والإنجاز والمثابرة، بروح وثّابة مغامرة بإقدام لكن بحصافة، تخوض غمار تجارب الحياة بثقة واقتدار دون اتكال على أحد أو جهة.
المعجزة التي حققها الأبطال في عامين، وإن كان التتويج الأخير على منصة الوصافة ضد أبطال لهم تاريخهم الكروي وصُرف على منتخباتهم الملايين، أضعاف أضعاف ما رصد لدعم منتخبنا الأردني، تلك المعجزة الخارقة ليست صدفة وتعني الكثير الذي لا يجوز أن يتوقف عند حدود الرياضة. تلك روح وطنية لا بد من تفكير الجميع، في الوطن والمهجر، بكيفية توظيف هؤلاء الأبطال لحالة نهوض شبابية ومجتمعية كبرى.
من الآخر، السؤال المناسب لطرحه الآن قبل أن تخبو أضواء الفرح بالوصافة، هي كيف ندعم ونستفيد من هؤلاء الأبطال لما فيه خير الأردنيين والناس كافة؟ الرياضة جسر وناقوس ومرساة ورافعة، هي فرصة لسلسلة من المكافحات والتعزيزات والإنجازات، عبر استبدال كل ما هو ضار وسيّء أو عديم جدوى بما هو مفيد ونافع ويصنع فارقا إيجابيا فرديا ومجتمعيا ووطنيا. نكافح التدخين والإدمان عموما بكل درجاته وأدواته، نكافحه بوعي وحزم وحسم بقدم أحد نجومنا الكرويين ونسجل أهدافا في مرمى التغذية الصحية وشباك أسلوب العيش الصحي والهانئ والمنتج بقدمه الأخرى، هدف ماسيّ يدوم أجيالا لا شوطا أو مباراة أو بطولة، هدف صاروخي في حلق المرمى تذكره لنا «الفيفا» وهيئات عالمية أخرى معنية بسفراء النوايا الحسنة -فئة الرياضيين، هدف حر مباشر من خلف خط الوسط، في زاوية التسعين حتى ولو كان حارس المرمى مزروعا هناك، في مكانه داخل مستطيل أو خط الستة عشر..
