د. موسى بريزات- الأردنّ
الرؤية والتوجهات العربية اللازمة لتطبيق قرار تصفية الاستعمار على الاحتلال الإسرائيلي
المفوض العام الأسبق / المركز الوطني لحقوق الإنسان
مقدمة
تناقش هذه الورقة الرؤية والتوجهات العربية اللازمة لتقديم مبادرة عربية لدى الأمم المتحدة بهدف إيجاد حل للقضية الفلسطينية من خلال عرضها باعتبارها قضية “إنهاء الاستعمار” أمام الأمم المتحدة . ومثل هذا الطرح ليس جديدا , فهو أمر متداول ناقشه العديد من المفكرين والكتاب وتداولته أطراف متعددة عبر عقود . لكن الجديد في هذا السياق هو محاولة الدول العربية إعادة تقديم المبادرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن وربما حتى مجلس الوصاية (رغم إلغائه عملياً)، لتطبيق قرار تصفية الاستعمار العتيد على الاحتلال الإسرائيلي الذي .
وتهدف هذه المحاولة إلى كسر حالة الجمود الدبلوماسي التي عطّلت جهود حل القضية الفلسطينية منذ عقود بتقديم مبادرة بمضمون جديد شامل تخرج فيه عن الإطار المتكرر الذي وسم تعامل مؤسسات الأمم المتحدة مع القضية هذه القضية. فلم يسبق للأمم المتحدة مناقشة مسألة “تصفية الاستعمار” بشكل رسمي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، رغم مناقشتها للقضية من جوانب ووجوه كثيرة على مدار أكثر من سبعين عاما.
تقدّم الورقة عدداً من الأفكار التي يعتقد أنها ستسهم في تقديم صيغة مقنعة ومقبولة قانونياً وسياسياً من قبل الأطراف المعنية بصياغة المبادرة ثم تبنيها من قبل الأمم المتحدة، وبما يحقق معايير العدالة ويراعى مسألة توازن القوى في ظل التعقيد والمسائل المعقدة والمتشابكة التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ عام 1948، والمستجدات المتعلقة بآليات تطبيق مثل هذا القرار، في ظل تعقيدات متعلقة بالمركز القانوني وشكل الدولة الفلسطينية ومستقبل سكانها الذين يتوزعون جغرافيّاً ضمن مراکز قانونية متعددة.
وتركز الورقة بشكل رئيسي على فرص وتحديات تبني المبادرة من الجانب العربي الرسمي، وواقع البيئة الدولية التي ستؤثر بشكل كبير على مستقبل المبادرة، وعلى طبيعة وآليات عمل مؤسسات الأمم المتحدة ودور ذلك في إنجاح المبادرة . كما تتعرض الورقة لمسألة البُعد المعرفي في مثل هذه القضايا، أي طبيعة القضية الفلسطينية من حيث تأصيلها المعرفي من منظور كافة الأطراف إلى الصراع وفهمهم له.
ويشمل مفهوم تصفية الاستعمار أشكالاً متعددة، مثل: حق تقرير المصير، والاندماج في دولة قائمة أو الارتباط مع دولة أخرى . وفي الحالة الفلسطينية تتداخل عناصر إضافية في هذا المفهوم، ليشمل العلاقة القانونية بين المستعمِر والمستعمَر، ومعايير العدالة وتوازن القوى، وقضايا الأرض والملكية، والسكان، والهوية الوطنية، وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، والتفرّق الجغرافي للسكان بين الداخل تحت الاحتلال والشتات.
أولاً: محددات عامة حول مبادرة إنهاء الاستعمار
- الموقف العربي: انخرطت الدول العربية في الصراع العربي- الإسرائيلي والقضية الفلسطينية منذ بداياتها سياسياً وعسكرياً، ولا يمكن اعتبار المبادرة خروجاً عن هذا المسار، ويشمل البعد العربي النظام الرسمي (الدول والحكومات) والشعوب والمجتمعات العربية، وثمة اختلاف واضح في الرؤية والتوجه تجاه القضية الفلسطينية، كما ظهر جلياً في المواقف المختلفة تجاه أحداث السابع من أكتوبر، وهذا الأمر يستدعي مناقشة المبادرة على ثلاثة مستويات: الجانب العربي ذاته، البُعد الدولي وتصدى أطراف دولية لمسألة طرح القضية الفلسطينية أمام الأمم المتحدة كمسألة تصفية استعمار يستند إلى المنطق، النظرية، خاصة أن بعض دول الاتحاد الأوروبي ساهمت في إقامة هذا الاستعمار ودعمه في ظل الواقع العربي الحالي، وبالتالي فإن دعم حصول دول ناشئة على استقلالها قد يزيد من إمكانية نجاح المبادرة لأسباب جيوسياسية أو وفق مبدأ الواقعية السياسية (Realpolitik)، ودور الأمم المتحدة كمنظمة دولية حيث تعاملت الأمم المتحدة مع القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها، باستثناء طرحها رسمياً كمسألة تصفية استعمار، وهو ما جرى بمبادرات غربية سابقة.
- البعد المعرفي (الإبستمولوجيا): يمكن تأصيل القضية الفلسطينية معرفياً كمسألة استعمار في جوهرها وجذورها، في ظل الجدل المعرفي الذي يهيمن على النقاش العالمي، ويتمثل في استبعاد الحقائق التاريخية والقانونية، مثل: عدم شرعية وعد بلفور، والطبيعة العنصرية للحركة الصهيونية، ومشروعية المقاومة الوطنية وفق القانون الدولي، والجانب القانوني والتاريخي، ووثائق الأمم المتحدة (مثل وثيقة رقم A/Conf.114/11 لعام 1983) التي تؤكد أن جوهر الاستعمار هو سيطرة شعب على شعب آخر، وإعلان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عام 1918 عن نهاية عصر الاحتلال والاتفاقات السرية، فيما مثّل وعد بلفور عام 1917 واتفاقية سايكس- بيكو عام 1916 مشاريع استعمارية أوروبية أعادت تشكيل المنطقة وفق مصالحها، كما وضعت بريطانيا فلسطين تحت الانتداب، وهو صيغة استعمارية ابتدعها الجنرال جان سمَتس، لتبرير السيطرة الاستعمارية تحت غطاء قانوني.
- القضية الفلسطينية ك مسألة تصفية استعمار: عملت الدولة الاستعمارية (بريطانيا) على تغيير هوية الأراضي الفلسطينية مسبقاً، ونزع ملكية الشعب الأصيل، ومنحها الى جماعات غريبة لأهداف استعمارية . كما نفذّت سلطة الانتداب البريطاني (1920–1947) وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ما مهّد لقرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، وفرض هذا القرار قيام الدولة الصهيونية الجديدة إسرائيل، والتي توسعت لاحقاً باحتلال أجزاء واسعة من الأراضي المخصصة للدولة العربية، وصولاً إلى احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967 . وبالتزامن مع ذلك، شهد العالم في ستينيات القرن الماضي حركة واسعة لتصفية الاستعمار، شملت مناطق في آسيا، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وذلك بدعم من حركة عدم الانحياز، والاتحاد السوفيتي، والصين، وحصلت معظم تلك الشعوب على استقلالها وحق تقرير المصير. ولاحقاً تبنت الأمم المتحدة الإعلان العالمي لتصفية الاستعمار (القرار 1514 لعام 1960)، والذي مثّل نقلة نوعية في دعم التحرر الوطن . ورغم ذلك، توقفت الجهود الأممية أمام التحدي الصهيوني والدعم الغربي الواسع له، ما جعل الحالة الفلسطينية فريدة وهي: استعمار مستمر ودائم.
- طبيعة المشروع الصهيوني: قام المشروع الصهيوني على عدة ركائز، مثل: إنكار وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، ورفض الاعتراف بالقانون الدولي والاتفاقيات الإنسانية (مثل اتفاقيات جنيف)، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ عام 1948 وحتى العام 1967، مع رفض الانسحاب أو السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وأراضيهم، ما يعكس طبيعة استعمارية عنصرية قائمة على الإقصاء والعدوان المستمر.
- الأبعاد المتعددة: تتضمن القضية الفلسطينية أبعاداً متعددة: قانونية، سياسية، معرفية، وأخلاقية، ما يجعل صياغة المبادرة معقدة وتحتاج إلى تصور نهائي مقنع للأطراف المعنية، ويسهم في فهم طبيعة البيئة , وبالتالي في تحديد فرص نجاح المبادرة العربية و\أو التحديات التي قد تحول دون تبنيها من الجانب العربي الرسمي ذاته في المقام الأول . كما يساعد إدراك أهمية دور الأمم المتحدة وطبيعة عملها كمنظمة دولية والاعتبارات البيروقراطية والتنظيمية لهذه المنظمة في تحديد مصير هذه المبادرة.
ثانياً: فرص وتحديات تبني المبادرة من الجانب العربي الرسمي
ثمة توجد ٍمحددات الموقف العربي الرسمي تجاه المبادرة، والتي تحدد قدرة النظام العربي الرسمي على مواجهة القوى الغربية الداعمة لإسرائيل، وتؤثر بشكل مباشر في مسار إنجاح المبادرة، وهي : بقاء النظام السياسي في الدولة العربية واستمراره، والحفاظ على متطلبات الشرعية السياسية، واستمرار العلاقات مع الدول الغربية , واعتبارات الواقعية السياسية، وطبيعة العلاقات البينية العربية الرسمية، والأمن الوطني واستقرار الدولة ووحدتها، والتوازن بين الضغوط الشعبية والالتزامات الدولية , طبيعة وآليات عمل مؤسسات الأمم المتحدة، ما يخلق مجموعة من الفرص والتحديات أمام هذه المبادرة، والتي يتمثل أبرزها فيما يلي:
- الفرص
– مكونات الجيوسياسي العالمي و طبيعة التوازنات الدولية، والتي تتمثل في بروز روسيا والصين كقوة منافسة مع ما يُعرف اليوم بتعدد أنماط الجيوسياسي الإقليمي، الاقتصادي والثقافي .
– تراجع ظاهرتي العولمة والإقليمية تحت ضغط النزعات القومية والمصلحة الوطنية، خاصة في روسيا، مع العودة إلى مفاهيم قديمة مثل “الكونسرت الأوروبي” (Concert of Europe – 1815).
– بروز تجمعات دول الجنوب والتحالفات الجديدة، مثل البريكس (البرازيل، روسيا، الصين، جنوب إفريقيا، ثم تركيا لاحقاً) كقوة موازنة للغرب بقيادة أمريكا وحلف الناتو.
– إسهام التحالف الروسي– الصيني في إيجاد حالة من التوازن الجديد إزاء التعامل مع القضايا العالمية الصراعية , ومنها القضية الفلسطينية مقابل إعلان الغرب بقيادة الولايات المتحدة عن مشاريع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، عبر تغيير أنظمة , وتعديل حدود، وإزاحة سكان بما يخدم المشروع الصهيوني.
– فشل السياسات الغربية في تحقيق السلام أو حسم ملفات كبرى (مثل الملف النووي الإيراني)، ومحدودية قدرتها على ادارة شؤون الكون منفردة كما تتمنى وتطمح , رغم استمرارها في دعم إسرائيل بلا حدود.
– موقف الدول الناشئة التي حصلت على استقلالها في إطار حركة تصفية الاستعمار، والتي ترى في المبادرة امتداداً لمبدأ تقرير المصير.
– تطور الجدل الدائر لدى الغرب حول أهمية استمرار إسرائيل كقاعدة متقدمة له في الشرق الأوسط.
– الخشية الغربية من خسارة نفوذها في المنطقة العربية جراء سياساتها المنحازة لإسرائيل.
– إعياء المشروع الصهيوني ووظيفته الاستعمارية، ما يخلق فرصة لمبادرة عربية–إسلامية مدروسة.
– الصحوة الشعبية العربية التي يجب إبرازها واستثمارها كعامل ضغط على الأنظمة والغرب معا.
– خطورة إسرائيل على النظام العربي الرسمي وحلفائه الغربيين، كعبء سياسي وأمني وأخلاقي واقتصادي .
– بناء نموذج عربي- فلسطيني خاص بالقضية الفلسطينية بالاستفادة من النماذج الدولية لتصفية الاستعمار (جنوب أفريقيا، زيمبابوي، بلجيكا، سويسرا).
– توظيف مفاهيم حقوق الإنسان الأساسية (الملكية، الحرية، العدالة، المساواة) كمدخل لعرض القضية الفلسطينية في المحافل الدولية.
- التحديات
– تغيّر الموقف العربي التاريخي تجاه القضية الفلسطينية عبر العقود، ويمكن وصفه اليوم بـ”الازدواجية الاستراتيجية” والتي تتمثل بدعم معلن للقضية الفلسطينية، مع وجود قنوات اتصال تفاهمات غير معلنة مع إسرائيل، بعد أن كان الموقف العربي الرسمي المعلن هو أن القضية الفلسطينية قضية عربية مركزية، وبناء عليه خاضت دول عربية مع إسرائيل حروب 1948، 1967، 1973، وتبنّت المقاطعة الاقتصادية حتى وقت قريب .
– تمسك الدول الغربية في علاقاتها وخططها في المنطقة العربية بتحجيم دور روسيا والصين في الشرق الأوسط، وعقد صفقات دبلوماسية واقتصادية لتعزيز نفوذها هناك ، الأمر الذي يعزز استمرار الأحادية القطبية الموجهة نحو المنطقة العربية، مع استخدام أدوات مثل وقف المعونات الخارجية لحماية الأنظمة من غضب شعوبها أو تهديدات إقليمية، في ظل الموقف الداعم لإسرائيل.
– استخدام الجانب الرسمي العربي للقضية الفلسطينية كورقة سياسية أكثر من كونها مشروعاً وطنياً جامعاً.
– تبعية الأنظمة العربية المتزايدة للغرب، والتي عمّقت الفجوة بين الموقف الرسمي والشعبي تجاه القضية الفلسطيني، حيث أبرزت أحداث غزة الأخيرة (السابع من أكتوبر وما تلاها) هذا التناقض في الرؤى بين الجانبين , وشكّلت ضغطاً شعبياً على الأنظمة , كما أثّرت في شرعيتها السياسية، إضافة إلى أن كثير من الأنظمة العربية تعادي المقاومة، ما يضعها في تناقض مع مجتمعاتها ومع المزاج الشعبي الداعم للمقاومة.
– ضعف القدرة على اتخاذ موقف جماعي عربي واضح، وغياب التنسيق التقليدي بين القادة مما يسمح لأطراف غير عربية بالتأثير في مصير القضية، إضافة إلى الخلافات ذات اتطبيعية البنيوية والأيديولوجية بين الأنظمة العربية ذاتها.
– تدخل أطراف دولية في مناطق مختلفة تحت شعارات “حفظ السلام” أو “الحرب على الإرهاب”، الأمر الذي يضعف مفهوم المجتمع الدولي القائم على المصلحة الإنسانية المشتركة، ويعيد إنتاج منطق الهيمنة الاستعمارية بأشكال جديدة.
ثالثاً: مسارات التحرّك وآليات العمل
ثمة عدة آليات يمكن من خلالها طرح المبادرة العربية، ومنها:
- الصيغة التنفيذية التي تفترض تبنّي أغلبية الدول العربية للمبادرة، وأن تقوم جامعة الدول العربية بدورها المؤسسي لبحثها وصياغتها، ويفضَّل أن يتم التداول بشأنها في قمة عربية طارئة بحضور القادة الرئيسيين على الاقل ، وإن تعذّر ذلك، يكون البديل اجتماع وزراء الخارجية . ومن متطلبات هذه الصيغة هو عقد مداولات تستند إلى تحضير سياسي ودبلوماسي مكثّف لتأمين الدعم الدولي، كما تتطلب هذه الصيغة قراءة الموقف العربي الرسمي، ويساهم في نجاح المبادرة العربية على صياغة قانونية وسياسية متماسكة للمبادرة .
- حشد دعم دولي من الدول الناشئة والمتضررة من الاستعمار، لمواجهة النفوذ الغربي الذي يسعى إلى تعطيل أي مبادرة لتغيير ميزان القوة ليس فقط في اتجاه يخدم الحقوق الفلسطينية بل وكونيا.
- النشاط الدبلوماسي والقنوات الخلفية، ومن الأمثلة قبول قرار التقسيم عام 1947 عبر وسطاء وقنوات خلفية، رغم معارضة أطراف عربية رسمية.
- استثمار دور الأمم المتحدة بالشكل المناسب ف من حيث الأخذ بالاعتبار آليات عمل هذه المنظمة الدولية . فهي تمثل ساحة مهمة من منظور بنيوي، فهي مجال إدارة التنافس وبناء التحالفات الدولية ، وممارسة النفوذ عبر الأجندات الوطنية، وبيت خبرة للتنبيه بشأن الانتهاكات والتجاوزات للقواعد والمعايير الدولية، وأداة بيد القوى الكبرى، لكنها أيضاً صوت للعدالة و مصالح الأطراف الضعيفة أحياناً، ومرجعية أخلاقية بموجب ميثاقها الذي يحرم استخدام القوة في العلاقات الدولية، وهي رمز للتعاون وحماية الأمن والسلم الدوليين ولكن للمدى الذي تسمح به شروط التنافس بين القوى الكبرى .
رابعاً: البيئة الدولية وواقع الأمم المتحدة
مارست الأمم المتحدة أدواراً متناقضة في القضية الفلسطينية، فقد قسّمت فلسطين عام 1947 من خلال القرار 181، واعترفت بالدولة اليهودية رغم المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، كما تراجعت عن تعهدها بعودة اللاجئين الفلسطينيين كشرط لقبول عضوية إسرائيل، وفي المقابل، تبنّت عشرات القرارات التي تؤكد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وأدانت السياسات الإسرائيلية، ووجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات لمسؤولين إسرائيليين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
كما نص كل من الإعلان العالمي لتصفية الاستعمار (القرار 1514)، والقرار 1541 على حق تقرير المصير كجزء من الميثاق الأممي، والسؤال المطروح هنا: هل جاء هذا الإعلان نتيجة التزام الدول الأعضاء بالميثاق، أم نتيجة ضغط الشعوب المستعمَرة وتوافق القوى الكبرى (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) في تلك المرحلة في تقليص نفوذ أوروبا الاستعماري والخشية من اندلاع حروب جديدة؟، وهل ثمة علاقة بين المقاومة الوطنية المحلية والتوافق الدولي في بلورة هذه القرارات لصالح الشعوب الخاضعة للاستعمار الأوروبي .
النتائج والاستنتاجات
يمكن تلخيص انعكاسات ما سبق على القضية الفلسطينية، فيما يلي:
- الدور الغربي لا يقتصر على حماية إسرائيل، بل يشمل التغطية على الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة بحق الفلسطينيين، والتفاوض مع أطراف فلسطينية بهدف إضعافها أو تدميرها، وتصوير الإسلام كعدو متشدد لتبرير السياسات العدائية.
- تضعف السياسات الأوروبية في المنطقة العربية فرصة اتخاذ الاتحاد الأوروبي موقفاً منصفاً للقضية الفلسطينية في اطار الامم المتحدة ، إذ تبقى منحازة لصالح إسرائيل بشكل تام رغم تظاهرها بغير ذلك .
- زيادة التحديات أمام الموقف العربي الرسمي في التعامل مع هذه التحولات، بين ضغوط داخلية (شرعية الأنظمة، الغضب الشعبي) وضغوط خارجية (العلاقات مع الغرب)، ما يزيد من الحرص العربي على التفكير في صياغة موقف جماعي أكثر وضوحاً، خاصة إذا طُرحت القضية الفلسطينية كمسألة تصفية استعمار أمام الأمم المتحدة.
- تتأثر أدوار وفعاليات الأمم المتحدة تجاه القضية الفلسطينية، بالتوازنات الدولية وصراعات القوى الكبرى.
الخلاصة
القضية الفلسطينية تبقى قضية استعمارية بامتياز، مركزية في الفكر والسياسة الغربية، ومفتاحاً لتوازنات المنطقة، فيما يتطلب نجاح المبادرة العربية صياغة قانونية– سياسية متماسكة، وتوافق عربي–عربي رسمي وشعبي، واستثمار التحولات الدولية لصالح الحقوق الفلسطينية، والحل العادل لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الاعتراف بالقضية الفلسطينية كقضية تصفية استعمار، وضمان حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
