عروبة الإخباري –
في ذاكرة الأوطان، تمرّ أسماء كثيرة كعابري طريق، تُذكَر حينًا وتُنسى حينًا آخر. لكن بعض الأسماء لا تُقاس بالسنوات التي عاشتها، بل بالأثر الذي تركته، بالارتجاج الذي أحدثته في الروح قبل الأرض.
ومن بين هؤلاء، يظلّ جبران تويني أحد أولئك الذين يمشون في التاريخ بأقدامٍ ثابتة، كأنهم خُلقوا ليُضيئوا الدروب العتمة، لا ليمرّوا في الهامش.
لم يكن جبران صحافيًا وحسب؛ كان حالة لبنانية كاملة. حالة من الجرأة، والوضوح، والصوت العالي حين تعلو الضوضاء وتخفت الحقيقة. كان يعرف أن الكلمة قد تكون أحيانًا أثقل من الجبال، لكنه لم يتراجع عنها يومًا. حمل قلمه كما يحمل المحارب سيفه، وكتب بحبرٍ يشبه نبضًا للأرض التي أحبّها حدّ التماهي.
كان في حياته سيمفونية من التناقضات الجميلة: شديدٌ في الدفاع عن الحرية، لكنه رقيقٌ في إنسانيته. حازمٌ في مواقفه، لكنه حنونٌ في حضوره. صارخٌ في وجه الظلم، لكنه شاعرٌ حين يهمس للوطن.
وما كان دخوله الحياة السياسية إلا امتدادًا طبيعيًا لرسالته. دخلها لا ليلبس عباءة جديدة، بل ليعطي السياسة صوتًا يشبه الناس، لا صدى غرفٍ مقفلة. دخلها كمن يدخل معركةً يعرف أنها طويلة، لكنّه مؤمنٌ بأن خطوة واحدة صادقة قادرة أن تُحرّك جبالًا من الركود.
وفي كل مرة ظهر فيها أمام الناس، كان يشبه أوائل الصباح: واضحًا، مشعًّا، لا يساوم على النور. كان يرى في لبنان أكثر مما يراه الكثيرون؛ كان يرى فيه وطنًا يليق بأن يكون جميلًا، حرًّا، مستقلاً، مهما تكاثر الغبار على وجه الحقيقة. ولذلك أحبّه شباب لبنان بشكل خاص، لأن نبرته كانت تشبه أحلامهم، وتمرده يشبه غضبهم النبيل، وإيمانه يشبه توقهم إلى غدٍ لا ينهزم.
واليوم، حين نستعيد صورته، لا نفعل ذلك من باب الحنين وحده، بل من باب الوفاء لفكرة. فكرته بأن لبنان لا يُبنى بالصمت، بل بالكلمة الحُرة، ولا يُصان بالاستسلام، بل بالمواقف الصافية التي لا تخشى العواصف.
نستعيد قسمه الذي صار جزءًا من ذاكرة البلد، قسمًا لم يكن مجرد كلمات، بل نبضًا يتردّد في صدور الذين آمنوا يومًا بأن الوطن يمكن أن يُشفَى من جروحه.
جبران تويني…
هو الوجه الذي لا يتعب، والصوت الذي لا يخاف، والراية التي لم تسقط حتى حين غاب صاحبها.
هو ذلك البُعد الروحي للصحافة اللبنانية، والبُعد الأخلاقي لحرية الكلمة، والبُعد الإنساني لمعنى أن تكون لبنانيًا يحب وطنه رغم كل شيء.
سلامٌ لروحه…
سلامٌ لرجلٍ رحل، لكن أثره بقي كالعطر الذي لا يزول.
لرجلٍ لم يعد بيننا جسدًا، لكنه يسكن في كل صفحة تُكتب بشجاعة، في كل موقف لا يلين، وفي كل شاب يرفض أن ينحني.
سلامٌ لجبران… الغائب الحاضر، الحاضر الذي لا يغيب.
