شكّلت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات في الجنوب اللبناني قوةً شبه نظامية بلغ تعدادها نحو خمسة عشر ألف مقاتل، مزوّدين بأسلحة وقدرات قتالية متنوعة، سواء من سوريا أو عبر أراضيها، مع دعم مالي عربي ودولي متفاوت. وقد انعكس تنوّع مصادر التمويل والتسليح وضعف القيادة المركزية على الأداء العملياتي للمقاتلين.
ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وتنامي التأييد الشعبي الإسلامي للمنظمة، توسّع نفوذها داخل لبنان سياسيًا وعسكريًا، الأمر الذي منحها حرية حركة أكبر، وشجع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة على مقاومة الاحتلال.
فرأت إسرائيل أن الجنوب اللبناني، الذي بقي هادئًا نسبيًا منذ 1948، تحوّل إلى ساحة تهديد دائم بفعل تنامي قدرات منظمة التحرير. ومع تصاعد العمليات الفلسطينية، بدأت إسرائيل العمل على صياغة حل جذري يهدف إلى تدمير البنى العسكرية والسياسية للمنظمة، مع الاستفادة من الانقسامات اللبنانية والوجود السوري المعقّد.
وبعد عملية الليطاني عام 1978، طوّرت منظمة التحرير مواقعها الدفاعية وقدراتها اللوجستية، فأنشأت قواعد تدريب ومواقع محصنة، واستوردت أسلحة إضافية عبر مرفأي صور وصيدا. وأظهرت تقارير الاستخبارات الإسرائيلية عام 1981 وجود كميات كبيرة من الصواريخ والمدافع البعيدة المدى في المخازن الفلسطينية، مما جعل الجبهة الشمالية لإسرائيل في حالة استنزاف دائم.
لذلك وضعت القيادة الإسرائيلية ثلاث خطط رئيسية لمواجهة منظمة التحرير:
1. عملية محدودة ضمن 40 كم بهدف حماية المستوطنات دون مواجهة مباشرة مع السوريين.
2. تدمير المنظمة بالكامل مع تجنب الاشتباك مع الجيش السوري.
3. عملية شاملة تمتد إلى بيروت وصولاً إلى طريق بيروت–دمشق بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية والوجود السوري معًا.
ورغم أن منظمة التحرير لم تكن تسعى إلى مواجهة مباشرة، وأصدرت قيادتها تعليمات بمنع أي عمليات ضد إسرائيل، استخدمت إسرائيل محاولة اغتيال سفيرها في لندن كذريعة لشنّ عملية واسعة على لبنان.
وسعت إسرائيل إلى إقناع الولايات المتحدة بأن منظمة التحرير جزء من “الإرهاب العالمي”، وكثّفت لقاءاتها الدبلوماسية، كما كثّفت تنسيقها مع الميليشيات المسيحية، وخصوصاً حزب الكتائب بقيادة بشير الجميل، الذي اعتُبر ركيزة أساسية لرؤية إسرائيل للبنان ما بعد الاجتياح.
ووافقت الحكومة الإسرائيلية على عملية “سلام الجليل”، التي حُصرت مبدئيًا ضمن 25 ميلاً فقط، بهدف ضرب منظمة التحرير وتغيير التوازن السياسي في لبنان. وكانت الأهداف الاستراتيجية واضحة: القضاء على منظمة التحرير، إخراج الجيش السوري، تنصيب سلطة حليفة، وتأمين الحدود الشمالية نهائيًا.
وفي أيلول 1981 تولّى أمير دروري قيادة المنطقة الشمالية الإسرائيلية، وعمل على تجهيز قواته للحرب، مدركًا أن وجود أرييل شارون في وزارة الدفاع يعني اقتراب العملية. وبعد دراسة الخطط الميدانية، بدأت إسرائيل تنتظر ذريعة تتيح بدء الهجوم، وهو ما تحقق بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن.
وقدّر وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس حجم الحشد الإسرائيلي بين 60 و90 ألف جندي، وأكثر من ألف ومئتي دبابة، ومئات الطائرات، في مقابل ثلاثة ألوية فلسطينية بلغ تعدادها تسعة آلاف مقاتل بالإضافة إلى قوات لبنانية وطنية.
وقبيل الحرب، أبلغت إسرائيل قيادة قوات الطوارئ الدولية أن قواتها ستدخل الجنوب اللبناني، وذلك ليس لطلب إذن، بل كإجراء منعًا للاحتكاك بين القوات الإسرائيلية وقوات اليونيفيل.
وفي 6 حزيران 1982 دخلت القوات الإسرائيلية عبر جبهة تمتد من شبعا حتى صور، وتقدمت عبر ثلاثة محاور رئيسية:
1. المحور الساحلي: من الناقورة نحو صور وصيدا.
2. المحور الأوسط: نحو الليطاني فالنبطية.
3. المحور الشرقي: من مرجعيون وحاصبيا وشبعا باتجاه البقاع.
ويشير بعض الباحثين إلى أن عدد المحاور بلغ ستة، نتيجة طبيعة التضاريس وتشعب الطرقات.
فاحتلت القوات الإسرائيلية تباعًا عدة مناطق:
حاصبيا وشبعا والبقاع الغربي (7 حزيران)
جزين والشوف والباروك وعين زحلتا (8 حزيران)
وبعد هذا التقدم السريع، قررت الحكومة الإسرائيلية في ٩ حزيران توسيع العملية إلى 40 كلم لضرب الصواريخ السورية. فاحتلت الدامور وخلدة (12 حزيران)، وبحلول 13 حزيران، سقطت بعبدا ومحيطها، وفي 4 تموز، حاصرت إسرائيل بيروت الغربية وقطعت عنها المياه والكهرباء.
وفي الناحية الشرقية من لبنان، اصطدمت القوات الإسرائيلية بالسوريين عند السلطان يعقوب، وفي الغرب بمقاومة لبنانية وفلسطينية عند خلدة، إلا أنّ التفوق العسكري الإسرائيلي مكّنها من الفوز في معارك متعددة.
وأدت تلك الحرب إلى مقتل ما يقارب عشرين ألف لبناني وفلسطيني وسوري، ووقعت خسائر سورية كبيرة، شملت:
أكثر من 300 آلية مدرعة
أكثر من 80 طائرة
30 منصة صواريخ سام
وبعد مجازر صبرا وشاتيلا، واجهت إسرائيل ضغوطًا دولية أدت إلى انسحابها من بيروت الغربية. أما الدول العربية فاكتفت بالإدانة، فيما تدخلت فرنسا دبلوماسيًا وأسهمت مع الولايات المتحدة وإيطاليا في تشكيل قوات متعددة الجنسيات.
وكان هذا الاجتياح يحمل بُعدًا استراتيجيًا يستهدف إعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني، وإضعاف النفوذ السوري، وتأمين الحدود الشمالية لإسرائيل.
لكن المقاومة الفلسطينية واللبنانية أثبتت قدرة على الصمود رغم الاختلال الكبير في ميزان القوة.
وشكّلت تلك الحرب نقطة تحول في الوعي العربي وفي الداخل الإسرائيلي أيضًا، وصولاً إلى تغييرات سياسية كبيرة لاحقًا.
وانطلاقًا من تجربة 1982، يمكن القول إنّ أي حرب إسرائيلية جديدة على لبنان اليوم ستختلف تكتيكيًا، لكنها قد تشبه اجتياح 1982 في دوافعها الاستراتيجية: محاولة تغيير الواقع السياسي والعسكري في لبنان، إضعاف محور المقاومة، وتأمين الحدود الشمالية بشكل جذري.
فهل يمكن القول أن اليوم يختلف عن عام 1982 بوجود قوة عسكرية لبنانية كبيرة، بقدرات صاروخية دقيقة وطويلة المدى، وغياب الانقسامات الأهلية الحادة التي كانت سائدة قبل الاجتياح، وتراجع القدرة الدولية على تبرير اجتياح شامل للبنان.
وهل يمكن القول: أن أوجه الشبه بين أهداف إسرائيل عام 1982 وأهدافها المحتملة اليوم، هو سعيها إلى فرض نظام سياسي أو إقامة علاقة جديدة مع لبنان كما حاولت سابقًا، وهل تتكرر محاولة إخراج قوة مسلحة من لبنان كما حصل مع منظمة التحرير.
وهل تنتظر إسرائيل حدثًا أمنيًا كذريعة لحرب واسعة؟
