تقدّم بسمة الخطيب في روايتها «حائكات الأزل» عملاً يشتغل على الحدود المشتركة بين الذاكرة والأسطورة، وبين التجربة الفردية والذاكرة الجمعية. تنطلق الرواية من لحظة صغيرة: زائرة غريبة تأتي لاسترداد أمانة تركتها امرأة متوفاة، لكن هذا الحدث البسيط يتحوّل إلى شرارة تكشف مسارًا سرديًا يتوزّع على زمنين متداخلين، حيث تتجاور الحكايات القديمة مع مسار ندى في الحاضر، لتصبح كل خطوة في رحلتها نحو الماضي خطوة نحو فهم ذاتها وإرثها.
البنية السردية: النول الروائي
تُبنى الرواية وفق تقنية تشبه النول أو النسيج، حيث يتداخل خطّ ندى مع خطّ الغريبة، ويتقاطع الحاضر مع تاريخ النساء اللواتي مررن عبر “قصر الهجران”. كل شخصية تمثّل خيطًا، وكل حدث يضيف لوناً جديداً إلى النسيج العام. البنية غير خطيّة، لكنها مشدودة بعناية إلى محور مركزي هو قطعة النسيج التي تبدأ منها الرواية وتنتهي إليها، ما يمنح النص وحدة شكلية ومعنوية في آن واحد.
هذا التوازي في السرد، إلى جانب انتقالات زمنية سلسة لا تُفصل فيها الأسطورة عن الواقع، يخلق عالمًا “هجينًا” تنشط فيه الذاكرة بوصفها قوة حية، لا مجرد مخزون ساكن. فالماضي لا ينطفئ؛ إنه يتحرّك نحو الحاضر ويطالب بأن يُروى.
النساء كحاملات للذاكرة ومبدعات لمعنى جديد
لا تقف الرواية عند رصد معاناة النساء أو ضياعهن، بل تقدّمهن كفاعلات ومؤثرات، وصاحبات قدرة على إعادة بناء الذات والتاريخ. النساء هنا هن: حافظات الحكايات، وصانعات النسيج، ومقاومات الزلازل والحرائق والاضطهاد.
تغدو الحياكة رمزًا مركزيًا للمعنى: ليست حرفة فحسب، بل حيلة وجودية تتيح لنساء الرواية ترميم الشقوق الداخلية والخارجية. كل خيط يعادل تذكّرًا، وكل قطعة نسيج تعادل محاولة لإبقاء الماضي حيًا دون أن يتحوّل إلى عبء خانق.
المكان بوصفه ذاكرة: قصر الهجران والصدع الجيولوجي
يُعد “قصر الهجران” المكان الأكثر كثافة رمزية في الرواية. إنه أطلال تحمل تاريخًا من النساء المسجونات أو السادنات، وتختزن أسرارًا تتسرّب مع الزمن. ارتباط القصر بصدع جيولوجي يجعل المكان نفسه هشًا، وكأنه مرآة للمصائر التي يعيشها البشر فوقه: أرض تتصدّع، وذاكرة تتشقق، وأرواح تسعى للتماسك.
المكان في الرواية ليس خلفية بل شخصية كاملة: يراقب، يختزن، ويعيد إنتاج الحكايات.
الرموز والأساطير: من النسيج إلى النار
تستثمر الرواية رموزًا متجذّرة في الوعي الأسطوري:
النسيج: رمز للحياة والإبداع والترميم.
النار: اختبار نهائي، وتهديد بالحرق لا للذاكرة فقط بل للحاضر أيضًا.
الزلازل والصدوع: انعكاس لاهتزازات البشر أنفسهم.
المرأة الغريبة: كائن بين الأسطورة والواقع، تجمع الأزمنة وتفتح أبواب الحكاية.
تعمل هذه الرموز بوصفها طبقة إضافية تُغني القراءة، وتمنح الرواية بعدًا يتجاوز الحدث نحو التأويل.
اللغة والأسلوب
لغة بسمة الخطيب تنوس بين السرد المباشر والوصف ذو النبرة الشعرية، ما يمنح النص إيقاعًا يتلاءم مع المزج بين الواقع والأسطورة. فالحاضر يُروى بلغة هادئة، بينما يتكثّف الأسلوب حين يتعلّق الأمر بالحكايات القديمة أو الأماكن المشحونة. هذا التنوّع يعمّق التجربة ويجعل النص متعدد الطبقات.
دلالات الرواية ورؤيتها للعالم
تطرح الرواية سؤالًا جوهريًا حول إمكانية مواجهة الماضي: هل الانعتاق يكون بحرق الذاكرة، أم بمواجهتها وترميمها؟
الرواية تميل إلى فكرة أن الخلاص لا يأتي من الهرب، بل من العودة إلى الجذور وفهم ما حدث. يدان وبضع أصابع قد لا تغيّران العالم، لكنهما قادرتان على إنقاذ شيء، مهما بدا صغيرًا. وهذه الفكرة هي قلب الرواية الأخلاقي والإنساني.
في الختام لا شك بأن«حائكات الأزل» رواية تحيك الزمن والحكاية والذاكرة في نسيج واحد، وتقدّم رؤية عن المرأة لا بوصفها موضوعًا للسرد، بل صانعة له. هذا العمل يشكّل إضافة مهمّة للأدب العربي الذي يربط بين الأسطورة والتاريخ الشخصي، ويبحث عن معنى في عالم يمتلئ بالصدوع والانقطاعات.
