تشكل حملة 16 يوم لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، الممتدة من 25 تشرين الثاني حتى 10 كانون الأول، محطة عالمية سنوية تهدف إلى رفع مستوى الوعي حول العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتسليط الضوء على الحاجة الملحّة لإصلاح القوانين والسياسات لضمان حماية النساء وحقوقهن. وتعد هذه الحملة مساحة تعبئة دولية ومحلية واسعة تُسهم في خلق رأي عام ضاغط يطالب بإجراءات فعالة وفورية للحد من مختلف أشكال العنف.
إعتمدت الأمم المتحدة عنوان “العنف الرقمي” محورًا رئيسيًا لحملة هذا العام، إدراكًا للتنامي المتسارع لأشكال الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والفتيات عبر الفضاء الإلكتروني. يشمل هذا العنف التهديد والملاحقة الإلكترونية، الابتزاز الجنسي عبر الإنترنت، التشهير، سرقة البيانات، اختراق الحسابات، ونشر الصور الخاصة دون موافقة، إضافة إلى خطاب الكراهية والتحرش.
ولا يقتصر العنف الرقمي على كونه فعلًا يرتكب في بيئة افتراضية، بل هو امتداد مباشر للعنف المبني على النوع الاجتماعي، بآثار نفسية واجتماعية خطيرة، وبقدرة مضاعفة على الانتشار، ما يجعل مواجهته ضرورة تشريعية وأمنية ملحّة.
في لبنان، برز دور المنظمات النسوية كعامل أساسي في الدفع نحو الاعتراف بالعنف الرقمي وتضمينه في الأجندة التشريعية الوطنية. فقد عملت هذه المنظمات على:
* الضغط التشريعي لإقرار قانون خاص بالعنف الرقمي يستجيب للتحديات الجديدة في الفضاء الإلكتروني.
* تقديم الدعم القانوني والنفسي للنساء ضحايا الابتزاز أو التشهير الرقمي.
* إطلاق حملات توعية لتعزيز الأمان الرقمي وحماية الخصوصية.
* توثيق الحالات وإنتاج المعرفة لتشكيل قاعدة بيانات موثوقة تدعم النقاش العام وصياغة السياسات.
وبفضل هذا الجهد المتواصل، أصبح مطلب إقرار قانون العنف الرقمي جزءًا أساسيًا من النقاش العام، وخطوة ضرورية لجعل الفضاء الرقمي مكانًا أكثر أمنًا وعدالة للنساء والفتيات.
قضايا ملحّة تشغل المرأة اللبنانية: الحاجة إلى إصلاحات قانونية واسعة
رغم التقدم المحدود في بعض المسارات، ما زالت المرأة اللبنانية تواجه منظومة قانونية تمييزية تحدّ من حقوقها وتضعف حمايتها. ومن أبرز القضايا التي تُعدّ محورًا للنضال النسوي:
1. عدم منح المرأة اللبنانية جنسيتها لأولادها
ما يزال هذا الحرمان أحد أبرز أشكال التمييز القانوني في لبنان، ويؤثر بشكل مباشر على حياة آلاف الأسر.
2. رفع التمثيل النسائي عبر إقرار قانون الكوتا النسائية
غياب المرأة عن مواقع القرار ينعكس ضعفًا في السياسات العامة، ويؤخر إقرار القوانين الحامية للنساء.
3. إقرار قانون العنف الرقمي
ضرورة تشريعية لحماية النساء من الابتزاز الرقمي والانتهاكات الإلكترونية التي تتنامى بوتيرة غير مسبوقة.
4. تغيير التسميات القانونية للجرائم الجنسية
من “الاعتداء على العرض” و”الاغتصاب” إلى جرائم العنف الجنسي، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويعكس حقيقة هذه الجرائم كاعتداءات على الحقوق الجسدية والإنسانية، وليس مجرد “أفعال مخلة بالحياء”.
تأتي حملة 16 يوم لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات لعام 2025 لتؤكد أن حماية المرأة ليست مسألة مناسبة سنوية بل قضية حقوقية مستمرة، تتطلب إرادة سياسية وتشريعات عادلة ومؤسسات فاعلة. وفي عصر تتداخل فيه الحياة الواقعية مع الرقمية، يصبح الاعتراف بالعنف الرقمي وإقراره قانونًا ضرورة ملحّة لضمان أمن النساء وكرامتهن.
وفي لبنان، يبقى الطريق نحو العدالة والمساواة مشروطًا بإلغاء القوانين التمييزية، وتمكين النساء من حقوقهن الكاملة، وتعزيز حضورهن في مواقع القرار. فمجتمع يحمي النساء على الأرض وفي الفضاء الرقمي هو مجتمع يسير بثبات نحو العدالة، والحرية، والكرامة الإنسانية للجميع.
