تُعدّ العلاقات الأردنية-السورية واحدة من أكثر العلاقات تداخلًا في منطقة الشرق الأوسط، نظرًا لما يجمع البلدين من حدود جغرافية طويلة وروابط اجتماعية وثقافية عميقة. وعلى امتداد عقود، مرّت هذه العلاقة بمحطات متعددة تراوحت بين التقارب والتوتر، لكنها بقيت محكومة دائمًا بضرورات الجوار والمصالح المشتركة.
أولًا: العلاقات الأردنية-السورية سابقًا
1. الجذور التاريخية
تشترك الأردن وسوريا بإرث تاريخي واحد ضمن إطار بلاد الشام، ما خلق روابط اجتماعية واقتصادية بين الشعبين قبل نشوء الدول الحديثة. وبعد تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية، اتسمت العلاقات منذ خمسينيات القرن الماضي بتعاون متقلب، يتأثر بتحولات الإقليم والسياسات الدولية.
2. مراحل التقارب السياسي
شهدت ستينيات وسبعينيات القرن الماضي محطات تفاهم وتنسيق، خاصة في القضايا العربية المشتركة، وفي إطار الجامعة العربية. كما لعبت المصالح الأمنية، خصوصًا في فترة الحرب الباردة وما بعدها، دورًا في تعزيز التعاون بين البلدين.
3. التعاون الاقتصادي والاجتماعي
شكّلت التجارة البرية عبر الحدود محورًا مهمًا في العلاقات، حيث كان معبر نصيب – جابر من أبرز شرايين التبادل التجاري بين الخليج وأوروبا عبر الأراضي الأردنية-السورية. كذلك شهد البلدان تعاونًا في مجالات التعليم، ونشاطًا سياحيًا متبادلًا، وحركة اجتماعية واسعة بين العائلات على طرفي الحدود.
4. فترات التوتر
مرت العلاقات بفترات توتر لأسباب سياسية وإقليمية، أبرزها اختلاف المواقف تجاه بعض الملفات العربية، إضافة إلى خلافات في السياسات الخارجية. إلا أن هذه الفترات لم تصل إلى قطع كامل للعلاقات، إذ كان التواصل الأمني والسياسي يعود دائمًا بمرور الوقت.
مع اندلاع الأزمة السورية، دخلت العلاقات مرحلة معقدة، حيث تحمل الأردن أعباءً كبيرة نتيجة استقبال أعداد واسعة من اللاجئين السوريين، إلى جانب تحديات أمنية على حدوده الشمالية. ورغم ذلك، حافظ الأردن على سياسة متوازنة تدعو إلى حل سياسي يحفظ وحدة سوريا واستقرارها.
ثانيًا: العلاقات الأردنية-السورية حاليًا
١. إعادة الانفتاح التدريجي
منذ عام 2018، اتجه البلدان إلى إعادة بناء القنوات الرسمية، بدءًا من إعادة فتح معبر نصيب – جابر، وصولًا إلى تبادل الزيارات الوزارية وتعزيز الاتصالات الأمنية والسياسية. كما شارك الأردن بفاعلية في الجهود العربية الرامية لإعادة دمج سوريا في محيطها العربي.
٢. التعاون الأمني وضبط الحدود
يمثل ملف مكافحة تهريب المخدرات والسلاح أحد أهم القضايا التي تشغل الأردن اليوم، خاصة ما يرتبط بشبكات تهريب تنشط في جنوب سوريا. وفي هذا السياق، تكثف عمّان تنسيقها الأمني مع دمشق لضمان الاستقرار على الحدود.
٣. العلاقات الاقتصادية الحالية
ورغم التحديات الاقتصادية التي تواجه البلدين، فإن هناك مساعٍ لإعادة تنشيط حركة التجارة، ومناقشات حول مشاريع الطاقة والمياه، إضافة إلى دراسة إمكانات التعاون في إعادة الإعمار مستقبلاً.
٤. الدور الأردني في الحل السياسي
يواصل الأردن دعم مسار الحل السياسي للأزمة السورية عبر طرح مبادرات، أبرزها “الطرح الأردني” الذي يهدف إلى معالجة الأبعاد الأمنية والإنسانية والسياسية للأزمة، بما يحقق الاستقرار لسوريا والمنطقة.
5. آفاق المستقبل تبدو فرص تطوير العلاقات واعدة رغم التحديات، خصوصًا إذا تمكن البلدان من :
* تعزيز التعاون الأمني وضبط الحدود.
* توسيع التبادل التجاري وإحياء المشاريع المشتركة.
* إيجاد حلول مستدامة لملف اللاجئين.
* دعم مسار سياسي يضمن وحدة سوريا واستقرارها.
وفي الختام نقول بان تاريخ العلاقات الأردنية-السورية يؤكد أن ما يجمع البلدين أكبر من أي خلافات عابرة. فالجغرافيا والمصالح المشتركة، إلى جانب الروابط الشعبية العميقة، تجعل من التعاون خيارًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه. وبين الماضي والحاضر، تبقى العلاقة محكومة برغبة الطرفين في بناء مستقبل أكثر استقرارًا يخدمهما ويخدم المنطقة بأكملها.
حفظ الله الأردن وقائدهُ وولي عهده الامين وأجهزته الأمنية وشعبه المضياف من كل سوء ومكروه .
