تلعب المؤسسات التعليمية دورًا حيويًا في تحقيق التنمية المستدامة إذا ما أحسنت الاهتمام بفئة الشباب واستثمار قدراتهم المختلفة، وهي الفئة التي تشكل الجزء الأكبر من هذا المجتمع. فئة الجيل القادر على استخدام التكنولوجيا كجزء من اسلوب حياته، الجيل الأكثر اندماجا مع الادوات الرقمية والأكثر توقعا لبيئة عمل سريعة مرنة ومتوافقة مع تغير أنماط الحياة والتكنولوجيا. الجيل الذي يستحق الاهتمام والتعاون والتشارك معه لما فيه المصلحة الوطنية العليا. فمثل هذا التعاون والشراكة تشكل جسرًا يربط بين المعرفة الأكاديمية والاحتياجات الحقيقية للمجتمع، ما يؤدي إلى تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بشكل متوازن ومستدام.
فالتنمية المستدامة تتطلب استراتيجيات متكاملة تشمل التعليم والبيئة والاقتصاد بالتعاون المباشر بين المؤسسات الوطنية المتعددة من خلال المبادرات التي تشجع على التوعية بقضايانا الوطنية والحفاظ على مواردنا الطبيعية والاستفادة منها استفادة قصوى، أو من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تساهم في التنمية الاقتصادية المحلية. إذ يتيح هذا التعاون الفرصة لتطوير المهارات الحياتية والاجتماعية التي يحتاجها أفراد المجتمع للنجاح في عالم متغير.
ويمكن التعويل على نجاح هذه الاستراتيجية بالاستثمار في جيل الشباب لدينا، جيل نشأ وسط التكنولوجيا التي تتيح له العمل من أي مكان بسبب تكيفه مع انماط ايقاع العمل الحديث، وتسمح له بالانجاز من دون الارتباط بالمكان. فامتلاك هذا الجيل لمهارات تقنية عالية، وقدرة على تطويع التكنولوجيا وتحليل البيانات والتقاط المعلومة تمنحه كفاءة أعلى وقدرة أكثر على الابداع والابتكار. جيل يمكنه أن يحدث تغييرا بسبب تدفق المعلومات والبيانات بين يديه تجعله يقارن وطنه بدول العالم ويرى مواطن القوة والضعف. جيل يمتلك المعلومة والقدرة على استخدامها لمنفعة وطنه يفرض علينا في المؤسسات التعليمية والمجتمع على حد سواء توجيهه بما يمتلك من الذكاء والوعي، والاستثمار فيه وقيادته بالقدوة وبناء الثقة والشراكة لخدمة مجتمعه ووطنه.
فالمؤسسات التعليمية التي تلعب دورًا محوريًا في تنمية مهارات الاجيال المختلفة عبر الأنشطة المجتمعية والتطوعية والتي تربط التعليم النظري بالتطبيقي مطالبة اليوم بشكل أكبر لأن تستفيد من التقدم التكنولوجي ومن المعرفة التي يتقنها هذا الجيل في مختلف مؤسساتنا التعليمية العامة والخاصة. أما القطاع الخاص فيمكنه أن يوفر بيئة محفزة تتيح لهذا الجيل تطبيق ما اكتسبوه من مهارات ومعارف، مما يعزز من فرص العمل والريادة والابتكار.
المؤسسات التعليمية مراكز لإنتاج المعرفة والبحث العلمي والتطوير التقني، وعندما تستثمر هذه المؤسسات بشبابنا القادر على استخدام التكنولوجيا بمرونة عالية، فإنها تنهض بالمجتمع وتزود شبابه بالأدوات والمهارات التي تظهر أثرًا عمليًا في الواقع. فمثلاً، يمكن للجامعات أن تطور بالتعاون معهم برامج تعليمية موجهة تلبي احتياجات سوق العمل المحلي، أو تنفذ مشروعات بحثية تعزز من الاستدامة البيئية والصحة العامة. بالمقابل المجتمع بكل فئاته خاصة قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات مطالب بشكل فعال بالاندماج بهذه الشراكة بتقديم المعرفة الميدانية والخبرات العملية التي تغذي المناهج والبرامج التعليمية كي تجعل التعليم في مراحله المختلفة أكثر واقعية وتفاعلية في ظل التغيرات التكنولوجية المتسارعة، الامر الذي يؤثر إيجابيًا على الأداء الأكاديمي والتحصيل العلمي، ويعزز من شعور الطلاب بالانتماء والاندماج ويدفعهم للمشاركة بفعالية.
فمثل هذه الشراكة تمثل نموذجًا فعالًا لبناء مجتمعات قوية قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية بمرونة وحكمة. فعندما يكون التعليم محطة للاستثمار في جيل الشباب والاخذ بيده تتعزز قدرة الوطن على تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة، والمحافظة على منعته وتقدمه. لذا، فان صانعي السياسات التعليمية مطالبين اليوم أكثر من أي وقت مضى بدعم برامج التعاون بين المؤسسات التعليمية وما تحتضنه من طلبة عبر تسهيل قنوات الحوار والتعاون، وضمان مشاركة كافة الأطراف المعنية. فقط عبر هذا التعاون والتشاركية يمكن إرساء أساس متين للتنمية المستدامة يُسهم في بناء مستقبل أفضل لنا ولأجيالنا القادمة.
