أصدق الناس وأكثرهم مصداقية هو من تحرر من الحرج في مواجهة الذات قبل الآخر بالحقيقة أو بما يراه حقيقيا أو حقا. لا يعني ذلك بأي حال أن نرى جميعا الأمور من منظور واحد، وبالتالي الاتفاق قد يكون أحيانا صعبا، لكنه ليس محالا، فالتوافق على أقل متاحا، كون اختلاف الناس كافة، رحمة لهم أجمعين.
الرحمة تسبقها وتفوقها المحبة. كلتاهما تزدادان عظمة إن توفرت القدرة على فرض ما نريد على الآخرين أو الأشياء، لكننا نحجم عن ذلك محبة أو رحمة. وإن كان الرحمن الرحيم سبحانه الذي خص وعمّ بمحبته الخلق والخليقة قد منحنا الحق في الاختيار دون فرض أو إجبار لا ترهيبا ولا ترغيبا، فأي منطق يتخذه الإرهابيون الذين تساهلنا في مرحلة ما خطأ في تسميتهم بالأصوليين، المتطرفين، أو المتشددين. هو الإرهاب بعينه أن يقحم أيا كان قناعاته على حياة الآخرين أو الفضاء العام بالقوة، تحت أي شعار كان سياسيا أو دينيا. خلقنا الله أحرارا، ووضع في أيدينا الحق، لا بل الفضل والنعمة، في الاختيار واتخاذ القرار وتنفيذه، بصرف النظر عن رضاه سبحانه عن ذلك. إنه التكريم الإلهي لبني آدم، لحقنا في الاختيار وحرية التصرف.
أيا كانت الظروف القاهرة أو القوى القهرية، لا عذر للعنف أو ما هو أشد منه قتلا وإفسادا وخرابا، ألا وهي الفتنة. أتاحت القوانين الوطنية والدولية في معظم دول العالم للناس حرية الحركة والتنقل والعمل والاستثمار والتعبير عن الذات على نحو لم تشهد له البشرية مثيلا. بيدِ حتى أكثر البلدان فقرا، من وسائل التعبير والتواصل والتأثير، ما ينفي إمكانية القمع أو ما يحد من فعاليته.
«بلاد الله واسعة». المقولة لا تعني عبور الحدود القُطرية، بل إلى ما وراء البحار والمحيطات. لو تم تحسين وتفعيل القوانين الخاصة بالزيارة والإقامة والنزوح واللجوء والهجرة على النحو الصحيح، الآمن الفعّال، لما وجد الأوباش المتاجرون بمعاناة الملايين سبيلا لجني المليارات عبر سلاسل التهريب الدولي وهي تجارة سوداء عابرة للقارات، مثلها مثل تجار السموم المسماة المخدرات، وتجار الأعضاء البشرية، والرق الجنسي.
كلما ضرب الإرهاب عبر ثغرة المتسللين إلى الدول عبر حصان طروادة الأكثر خطورة في هذا الزمان ألا وهي «الهوية» وما يسمى «الهويات الفرعية»، أتت النتائج على نحو أكثر كارثية مما تقوم به العصابات التي تقوم بالتسلل عبر الحدود.
ما شهدته واشنطن عشية عيد الشكر، أشار إلى الكارثة التي لم تقتصر على إدارة بايدن، ولا حتى أوباما، بل إلى عقود امتدت في ظل إدارات الديموقراطيين والجمهوريين، عبر عقود الحرب الباردة والحروب الخارجية التي خاضتها أمريكا في أكثر من ساحة دولية. للحروب ارتداداتها الخطرة، وغالبا ما تُدخل الجميع في دوامة شريرة لا انفكاك منها إلا من رحم ربي وتحلوا بالحكمة والشجاعة في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وهو دائما وأبدا استباقي وقائي لا استدراكيا.
قد يرى البعض في قرار ترمب غداة عيد الشكر والذي تطور إلى حد منع الهجرة من جميع دول «العالم الثالث»، قد يراه شططا في رد فعله على الجريمة التي اقترفها رحمان الله لاكنوال «اللاجئ» بحق أسرتي الجنديين الأمريكيين سارة بِكستورم (عشرين ربيعا) رحمها الله وآندرو وولف (أربعة وعشرين) الذي مازال يصارع الحياة حتى كتابة هذه السطور، وبحق الأمة التي استضافته هو وزوجته وأطفاله الخمسة قبل أربع سنوات، لكن الأمر مبرر على الأقل في نظر مؤيديه وكثير منهم لا يجاهرون بمواقفهم خشية ثقافة الشطب. قد طفح الكيل بالنسبة -ليس للأمريكيين وحدهم- بل لكثير من الدول التي تحملت على نحو غير معقول ومقبول فواتير الهجرة القانونية وغير القانونية لأسباب هي في كثير من الأحيان خارجية، أو داخلية لغايات التكسب السياسي والتربح المالي البحت كما هو الحال في عدد من الدول التي يحكم فيها اليسار المتطرف وتيار العولمة المتحالفان مع أي جهة تعزز احتفاظه بالسلطة والمال ووسائل التأثير.
التساهل مع ما سمي الصوابية السياسية «بُلِتِكِل كُرِكْتْنِس» أفضى إلى تغول وتفشي وتوحش، ما عُرف بثقافتي الصحوة أو الصحووية «ووكِزْم» وكتم أو تسخيف أو قمع الرأي الآخر، وبالتالي شطبه «كانسِل كَلتشَر». شطب الرأي يأخذ -عاجلا أو آجلا- أبعادا مادية غير حميدة، لذلك حضت القيم الروحية لأحفاد سيدنا إبراهيم عليه السلام، على المحبة والرحمة، كون الإقصاء والبغضاء، مقدمة للجريمة والإرهاب والحروب بأنواعها.
أمن المجتمعات والدول لا يبدأ من الحدود، بل من الداخل من تلك الثقافات والمرويات والسرديات التي يضج فيها فضاؤنا، بعيدا عما يراه أو لا يستطيع رؤيته سكان البروج العاجية من الأكاديميين أو السياسيين. إجراءات الأمن في الدنيا كلها لن تحقق أمنا لفاقده، ففاقد الشيء لا يعطيه. السلام يبدأ بالنفس ويشع على الناس كافة، وإلا وجب الحظر والإبعاد، طلبا للأمن والأمان، وهذا حق لا جدال فيه ولا سجال لا في إعلام ولا غيره من المنابر. الكارثة التي أدمنت بعض المنابر على اجترارها، هي عرض ما يظنونها مبررات أو مسوغات اعتذارية، والمشارك بها إنما شريك في جرائم الكراهية والقتل والإرهاب. كمن تناسوا جوهر ما حدث عشية عيد الشكر وفتحوا سجال حزبيا حول نشر الحرس الوطني أو الموقف من سياسات الإقامة أو الهجرة!
من الآخر، بعض الصحوة مميتة.. هي في حقيقتها ليست بصحوة بل فتنة نتنة وجبت إماتتها، حتى تموت معها فتن أشد من القتل بالذئاب المنفردة أو حروب النظم والتنظيمات. إن كانت أمريكا بعظمتها وقدراتها الهائلة قد قالت بلسان رئيسها وحزبها الذي فاز في الانتخابات، كفى. فمن حق وربما من واجب الكثير من القوى الفكرية والسياسية والإعلامية طرح قضيتي الهوية والمواطنة وأمن الانتخابات والحدود كأولية في النقاش العام، فلا يبقى جرحا غائرا قديما بلا تعقيم وعلاج قبل استفحال الخطر واستشراء الأذى.
صحيح «طوبى للغرباء» كما دعانا السيد المسيح، لكن الغرباء الودعاء المحبين الموالين المنتمين، الحافظين لفضل الشعب والدولة التي فتحت ذراعيها، وأجابت دعوة المضطرين على امتداد قرن ونيّف..
الصحوة المميتة* بشار جرار
5
المقالة السابقة
