كتب سلطان الحطاب –
كانت دعوة الأمير الحسين، ولي العهد، التي انطلقت من الطفيلة والتي دعا فيها الى توثيق السردية الأردنية، جديدة وهامة وبمثابة نداء الى الباحثين والمؤرخين والكتاب والمواطنين الشهود المواكبين لتطور الأردن وحركته الداعية للأمام للانخراط في صناعة السردية الأردنية النقية من الشوائب مما يعيق تدفقها واستمرارها.
لقد اعترضت السردية الوطنية كثيراً من الروايات المشوهة في الصراعات الاقليمية والجانبية التي سادت المنطقة في الخمسينات والستينات، حين قدمت أطراف اقليمية سرديات غير دقيقة على حساب السردية الأردنية أحياناً، ولكن الأردن ظل دائمًا حريصًا على عروبته وعلى جذوره ودوره، واحتفظ بسرديته التي يجب ان تكتب وأن تقال في سياقها الوطني الواضح.
والسردية يمكن أن تكون للزمان الذي عاشته أجياله … منذ تأسيس المملكة قبل حوالي قرن وربع، ويمكن أن تكون للمكان الذي نعيش عليه وفيه منذ الاف السنين.
فالزمان مهم وكذلك المكان وكذلك الربط بين المكان والانسان ربطاً صحيحاً، وهو ما يصنع المواطنة ويحميها، وفي هذا المجال يمكن سرد هوية المكان ودور ابنائه في خدمته وبنائه والدفاع عنه لأنه الوطن والبيت.
واعتقد أن الزميل الدكتور خالد الشقران رئيس التحرير ، كان قد تناول هذا الموضوع، وهو مهتم به حتى وهو يقيم مشروع الرأي الجديد، في بناء تلفزيون تعمل الرأي على تدشينه بجهد منه، إذ أمضى وقتاً في جمع الرعاية والتبرعات ليجسد الفكرة.
كنت في سبيل السردية التي جاء الأمير الحسين ليدعو اليها ويضع لها اطارا و حافزاً، قد تذكرت كتابي عن عمان الذي اسميته (عبق الماضي ووهج المستقبل)، وكنت فخوراً حين ذكره معالي، كنيعان عطا البلوي، مستشار جلالة الملك لشؤون العشائر، في حشد كبير كان بانتظار اللقاء مع جلالة الملك ، وقد أشار اليه وأخذ من اقتباساته، لقد بدأت عمان المعاصرة كقرية شركسية، حين كانت مهدمة ومنقطعة الامتداد عن تلك التي حملت اسما تاريخيا شهيرا “ربة عمون” والتي كانت شواهدها منذ ثمانية الاف سنة في منطقة، عين غزال والقلعة، تلك مدينة الحب الأخوي، مدينة فيلادلفيا، التي ورثناها كأردنيين وقدمناها للعالم متوهجة ومساهمة في تاريخ البشرية.
لقد تطورت عمان التي كانت قرية صغيرة فيها مجلس قروي، قبل عام 1909، حين وصلتها سكة الحديد من دمشق باتجاه الحجاز، حيث قامت أول بلدية فيها عام 1909، وقد جرى الاحتفال بمئويتها في بانوراما أقامتها أمانة عمان عام 2009.
لم تكن عمان آنذاك إلا المدرج الروماني وجبل القلعة وقد كانت أول هجرة للشراكسة اليها عام 1878، وقد حطّوا على مائها واقاموا في غرف الغيار في مسرح المدرج الروماني وفي المغاور المجاورة، وهم أول من أدخل الى عمان العربة التي تقودها الثيران كمزارعين وفلاحين، كما نزلوا على ماء الزرقاء وفي السخنة وصويلح ووادي السير وجرش في دفعات لاحقة.
وعمان في بدايتها المعاصرة، زارها (يوهان بيركهارت)، مكتشف البترا، وقد جاءها من السلط بعد أن أخذ معه اثنين من السلطيين وقد دفع لهم ثلاث ليرات من الذهب ليحموه من الوحوش وقطاع الطرق، حتى يتمكن من زيارة سبيل الحوريات في عمان، وقد كتب في اوراقه أنه وجد فيها 150 من الشراكسة، وان سكنى عمان كانت صعبة، وأن السيل فيها يملأه البعوض والقوارض، وأنها كانت قرية غير محبذ السكن فيها، وهذا ما أشارت اليه احدى وثائق المحاكم الشرعية، حين رفضت امرأة من السلط أن تتزوج وتذهب الى عمان لهذه الأسباب.
كان في عمان حركة تجارية محدودة جاء بها الشوام وكانت تعبرها قوافل السكان من الأطراف عبوراً حتى وصل القطار الأول محملاً بالحجيج الشامي واللبناني والبغدادي، والفلسطيني الى المحطة، واستقبلهم رئيس المجلس القروي في عمان اسماعيل بابوق ، وكانوا لا يجدون مكاناً يشترون منه الخبز، فدعا رئيس المجلس أهل عمان الى بناء فرن للخبز لاطعام النازلين في المحطة، ولذا كان أول مشروع مشترك اقامته البلدية هو بناء المخبز، الذي بدأ بسد حاجة الوافدين الذين اشتروا الخبز، حين كان أهل عمان يصنعون الخبز في منازلهم وفي الأطراف كانت الطوابين والتنور.
كانت عمان مدينة على حدّ الصحراء كما كتب ياقوت الحموي، صاحب معجم البلدان، وقد تحدث عنها وعن مناخها وان هذه الصحراء كانت تجلب لها الغبار ثم تحدث عن الطرق الخارجة منها والمؤدية لها.
ولم يكن عدد سكان عمان في المدرج الروماني والقلعة يزيدون عن 1500 نسمة، إذ كانت تسكن في القلعة عائلتان واحدة هي الدباس والأخرى قاقيش، وقد ارتاب الشراكسة الذين كانوا في المدرج الروماني من وجود نار وسكان في القلعة، فصعدوا الى القلعة وطالبوا سكانها بالرحيل الى الخلف، حيث حلت العائلات في مناطق الشميساني دون أي صدامات، ولم تكن الأحوال في عمان مستقرة أمنياً الّا بوصول الأمير عبد الله الأول المؤسس عام 1921، حيث كان على رأس أولوياته الأمن والاستقرار وبناء مجتمع جديد، وقد نقل المركز من السلط التي كانت فيها الادارة العثمانية الى عمان، التي أقام فيها الأمير وبنى فيها بداية العشرينات قصر رغدان ومركز الحكم.
غداً نكمل سردية المدن الأردنية.
