عروبة الإخباري –
لم تعد قضايا الفساد في القطاع التربوي مجرّد أحداث معزولة يمكن تجاوزها بخطاب عام أو إجراء شكلي. فكلّ تفصيل يمسّ نزاهة العملية التعليمية اليوم يتحوّل إلى اختبار حقيقي لمدى جدّية المؤسسات في صون مبادئ العدالة الأكاديمية. وفي هذا السياق، يأتي التقرير الذي نشرته الإعلامية الدكتورة علا القنطار حول واقعة تلاعب بالعلامات داخل الجامعة اللبنانية ليضع هذا الملف مجددًا في واجهة النقاش العام، ويعيد التأكيد على دور الصحافة في كشف الثغرات ومساءلة الأنظمة، مهما كانت حساسة.
الواقعة التي أضاءت عليها القنطار—والتي تتمثل في اعتراف أستاذة بتعديل علامة أحد الطلاب بناء على طلب جهات “مسؤولة”، بحسب ما ورد في التحقيق الداخلي—ليست مجرد معلومة عابرة. إنها مؤشر على خلل محتمل يتجاوز السلوك الفردي ليطال بنية أكبر قد تحتاج إلى مراجعة شاملة. وبينما تبقى المعطيات المرتبطة بالتحقيق رهن الجهات المختصة، فإنّ طرح الموضوع بجرأة ووضعه أمام الرأي العام يعبّر عن ممارسة صحفية مسؤولة لا تتردد في الاقتراب من الملفات الحساسة حين تكون لها أهمية وطنية.
ما يميّز صياغة القنطار أنها لا تنزلق إلى التشهير، ولا تبالغ في الاستنتاجات، بل تعتمد نبرة تحقيقية رصينة تستند إلى معلومات موثوقة وتعيد ترتيب الأسئلة الجوهرية حول الحوكمة الجامعية:
هل تمتلك الجامعة اللبنانية منظومة رقابية قادرة على اكتشاف أي تجاوز؟
هل يمكن للمحاسبة أن تكون فعلية في ظل تشابك النفوذ داخل بعض الإدارات؟
وهل تكون هذه القضية بداية لمسار تصحيحي يضمن عدم تكرار حوادث من هذا النوع؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً، بل تمثّل صلب ما يحتاج إليه القطاع التربوي: نقاش شفاف ومسؤول حول كيفية حماية المعايير الأكاديمية من أي تدخلات غير قانونية أو ضغوط إدارية.
إنّ قوة هذا الطرح تكمن أيضًا في هوية من يقف خلفه. فالدكتورة علا القنطار ليست فقط إعلامية ذات حضور، بل هي أكاديمية تعرف بنية المؤسسات التعليمية، وتدرك حساسية الملفات المرتبطة بالعلامات والمسار الأكاديمي. هذا التلاقي بين الخبرة الجامعية والخبرة الصحفية يمنح مقالاتها بعدًا إضافيًا، ويجعلها من الأصوات القليلة القادرة على تناول قضايا التربية بمنهجية تحليلية دقيقة دون فقدان قوة الطرح.
أسلوبها في هذا التحقيق يعكس: ثقة عالية باللغة وبالمعلومة، قدرة على إيصال الفكرة من دون تضليل أو تهويل، وحرصًا واضحًا على أن تكون الصحافة أداة للمساءلة لا للمزايدات.
من خلال هذا المقال، تؤكد القنطار أنّ الإعلام الجاد لا يقتصر على الخبر، بل هو منصة لإطلاق نقاش وطني حول القيم والمعايير التي يجب أن تُصان داخل مؤسسات الدولة.
سواء أثبتت التحقيقات صحة الاتهامات أو كشفت ملابسات مختلفة، يبقى أن فتح هذا الملف بهذا المستوى من المهنية هو جزء من معركة أوسع لحماية التعليم الرسمي. ومعالجة أي ثغرة، مهما كانت صغيرة، هي خطوة في اتجاه استعادة الثقة بجامعة شكلت لعقود ركيزة أساسية للعدالة التعليمية في لبنان.
وبذلك، يبرز دور الصحافة المسؤولة—ومنها قلم الدكتورة علا القنطار—كركن أساسي في مواجهة الفساد، وفي تأكيد أنّ الشفافية ليست رفاهية، بل شرط ضروري لبقاء المؤسسات وحماية مستقبل الطلاب.
