عروبة الإخباري –
في عالمٍ يتشابك فيه الضوء بالظلال، وتتعانق فيه الحقيقة مع الوهم، ولدت بيا مخول من ضوءٍ لا يشبه الأضواء، ومن حلمٍ لا يخضع للزوال. لم تكن نجمتها مجرّد بريقٍ يعكسه سطح شاشة، بل شرارة خرجت من قلب يعرف الطريق، ومن روح تؤمن أنّ الكلمة رسالة، وأنّ الحوار نافذة تُفتح على العقول قبل أن تُفتح على الهواء.
الجميلة بيا، محاورة من الطراز الرفيع، لا يكتفي حضورها بأن يزيّن الشاشة، بل يُنيرها. اختارت الإعلام طريقًا تتجلّى فيه الحقيقة، لا بحثًا عن بريقٍ زائل، بل عن معنى يبقى، وعن كلمة قادرة على أن تلامس القلب قبل أن تُلامس الأذن.
على الشاشة اللبنانية، كتبت حكايتها كما يُكتب الشعر على صفحات الريح؛ لا يُمحى، ولا يبهت. كانت برامجها حدائق من فكر، ومسارات من معرفة، وفضاءات يثمر فيها الوعي. كل فقرة كانت نبضة، وكل لقاء نافذة، وكل سؤال خيط نور يشقّ العتمة ويستقرّ في عين المشاهد وقلبه.
أسلوبها في الحوار فريد، لا يُشبه أحدًا. تغوص في أعماق ضيوفها كما يغوص الحكيم في أسرار الروح، تبحث عن لؤلؤة صدقٍ تختبئ خلف الكلمات، وعن معنى يرتجف خلف النظرات. أسئلتها مفاتيح، تفتح بها أبواب الأفكار المغلقة، وتمنح كل ضيف فرصة للبوح الحقيقي، وتمنح المشاهد رحلةً داخل المعنى لا تُنسى.
بيا مخول، هي جسر بين المعرفة والجمال، بين الحقيقة والإلهام. اختارت أن تبني حضورها على العمق لا على السطح، وعلى الوعي لا على التصفيق. لأنّها تدرك أنّ البريق الحقيقي ليس في الأضواء التي تُضاء، بل في الأثر الذي يبقى حين تنطفئ كل الأضواء.
كتبت حضورها كما يخطّ الخطاط على ورقٍ من حرير: كل كلمة بصمة، كل فكرة ضوء، كل لقاء شعلة تضيء الخطّ الرفيع بين العقل والروح. لم تكن برامجها لحظاتٍ تُبثّ، بل كانت نوافذ على الوعي، ومساحات يتّسع فيها الأفق، ويخرج منها المشاهد أكثر صفاءً، أكثر أسئلة، وأكثر امتلاءً بالحياة.
لقد صنعت بيا مخول من الإعلام فنًا راقيًا، ومن الحوار صلاةً هادئة تُرفع للمعنى، ومن كل ظهور قصة تُزهر في ذاكرة الزمن. نجاحها ليس عابرًا، بل أيقونة من نور خالص، خُطّت على صفحة الأيام بمداد لا يعرف المحو ولا يخضع لعتق الدهر.
