(تقرير واشنطن عن شؤون الشرق الأوسط) – ويليام باتش –
كانت الحقائق المتعلقة بعمليات التأثير العالمية للموساد وبالتحكم الذي يمارسه اللوبي الإسرائيلي على الكونغرس الأميركي معروفة قبل 35 عامًا، ولكن، مع الاستثناء الملحوظ لـ”تقرير واشنطن”، كانت قلة فقط تولي اهتمامًا لها. وقد نشرت “دار سانت مارتنز برس” كتاب “عن طريق الخداع: صناعة وتفكيك ضابط في الموساد” The Making and Unmaking of a Mossad Officer بقلم فيكتور أوستروفسكي Victor Ostrovsky في العام 1990، وهو العام نفسه الذي خاضت فيه الولايات المتحدة أولى حروبها البرية الكبرى من أجل إسرائيل في الشرق الأوسط.
لا يفهم معظمنا لماذا انخرطت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا في حروب اختيارية عديدة في الدول نفسها التي هاجمتها إسرائيل. ويعتبَر “معهد الاستخبارات والعمليات الخاصة” (الموساد) مسؤولًا عن حماية وتعزيز أهداف إسرائيل. وقد نشأ “الموساد” من العمليات الإرهابية التي شنها الصهاينة ضد رعاتهم البريطانيين السابقين وضد الفلسطينيين، إلى أن نجحوا في إنشاء دولتهم القومية في العام 1948. وقد تأسس “الموساد” رسميًا العام 1953.
يشكل الموساد جزءًا لا يتجزأ من الدولة لدرجة أنه يخضع مباشرة لمكتب رئيس الوزراء. وتقع مدرسته التدريبية، “الميدراشا”، بالقرب من بلدة هرتسليا، حيث أتمّ أوستروفسكي دورة “كاتسا” (ضابط حالة) الشاقة. ويعتبر خريجو هذه المدرسة أنفسهم مجموعة نخبوية. ومن بين الصفات التي يبحث عنها الموساد في “كاتساته” (ضباطه): الرغبة في السيطرة، والهيمنة، والاستغلال والتلاعب، والانتباه للتفاصيل، والتصميم، والانضباط، والمهارات الاجتماعية الجيدة.
لا يملك الموساد عددًا هائلًا من ضباط الحالة المنتشرين حول العالم، ولذلك يعتمد على “المعاونين” اليهود غير الإسرائيليين في الخارج (السَّيّانيم) لتقديم الدعم الحيوي لعملياته. ومع ذلك، يعرّض تعاون هؤلاء “السَّيّانيم” مع الموساد جميع اليهود، بمن فيهم غير الصهاينة الذين لا يريدون أي علاقة بإسرائيل، لخطر العنف الانتقامي والاضطهاد المحتمل الناتج عن أفعال “الموساد” أو قوات الاحتلال الإسرائيلية. وللتقليل من احتمالات “رد الفعل الارتدادي” ضد “السَّيّانيم”، يقدّم الموساد تدريبًا سريًا شبه عسكري وأسلحة لوحدات دفاع ذاتي يهودية أجنبية تُعرف باسم “مسغاروت”، وهي منتشرة في جميع أنحاء العالم.
يتساءل كثير من الناس كيف أصبح جيفري إبستين، الذي كان مجرد مدرس في مدرسة ثانوية لا يحمل شهادة جامعية، مليارديرًا. كشف أوستروفسكي أن الموساد يعتمد على “السَّيّانيم” الأثرياء لدعم عملياته من خلال الأغطية التجارية، والموارد البشرية، والدعم المالي. وعلى سبيل المثال، منح الملياردير ليزلي ويكسنر، مالك متاجر الملابس المعروفة “فيكتوريا سيكريت”، جيفري إبستين توكيلاً رسميًا لإدارة جميع ممتلكاته وأصوله المالية. كما أهدى ويكسنر إبستين قصره في نيويورك، وهو أكبر قصر في مانهاتن. وبذلك، أطلق ويكسنر فعليًا مسيرة إبستين المالية، منحه سمعة رجل أعمال مالي يمتلك موارد غير محدودة ظاهريًا، مكّنته من دخول عالم الأثرياء والمشاهير.
لم يكن إبستين ضابط حالة في الموساد، لكنه كان بالتأكيد عميل تأثير وتجنيد يعمل في أعلى المستويات الاجتماعية. وقد تمكن من دخول البيت الأبيض (17 مرة في عهد بيل كلينتون)، وكان على صداقة مع دونالد ترامب طوال 15 عامًا، ودعا أصحاب الشركات الكبرى إلى قصره لتناول العشاء، وأخذ ضيوفًا مميزين إلى جزيرته الخاصة أو مزرعته على طائراته الخاصة لعقد لقاءات مشبوهة للغاية مع فتيات قاصرات.
كان الذي قدّم إبستين إلى إيهود باراك، الجنرال المسؤول في ذلك الوقت عن “آمان” -الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية- هو الملياردير البريطاني روبرت ماكسويل، والد غيسلين ماكسويل، في منتصف الثمانينيات. وفي تلك الفترة، كان روبرت ماكسويل، وهو عميل إسرائيلي، متورطًا في بيع ونقل الأسلحة من إسرائيل إلى إيران. وقيل إن إبستين كان متورطًا أيضًا في تهريب الأسلحة إلى أفغانستان وإيران و”الكونترا” في أميركا الوسطى. وربما كان باراك هو ضابط الاتصال الشخصي لإبستين. وعلى مدى سنوات عديدة كان باراك يلتقي إبستين شهريًا في قصره في نيويورك، حتى أنه زاره في جزيرته. وقد موّل إبستين وويكسنر مشاريع باراك التجارية. وكان باراك على الأرجح يقوم باستجواب إبستين، وجمع مواد الابتزاز (كومبرومات)، وإبلاغه بأي مهام تشغيلية جديدة.
في كتابه، كشف أوستروفسكي عن وجود وحدة سرية في الموساد تُعرف باسم “آل”. وتتألف هذه الوحدة من ضباط حالة “كاتسات” ذوي خبرة يعملون متخفّين داخل الولايات المتحدة. ونظرًا للحاجة إلى الحفاظ على الدعم المستمر من الحكومة الأميركية، كان الكاتسات المعلنون في السفارة الإسرائيلية في واشنطن العاصمة مقيدين بالتنسيق مع أجهزة الاستخبارات الأميركية، ولم يكونوا عادة يمارسون أعمال تجسس داخل الولايات المتحدة. وقد تُركت مهام التجسس وعمليات التأثير لوحدة “آل”، ولأصول (عملاء) مثل إبستين، ولجماعات واجهة أخرى منظمة جيدًا مثل “لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية” (أيباك).
تشكل (أيباك) العنصر المحوري في عمليات التأثير التي يقوم بها اللوبي الإسرائيلي. وهي تضمّ مختصين في الحملات السياسية، وجمع التبرعات، والمتاجرة بالنفوذ، وتجنيد السياسيين الأميركيين المستعدين لتقديم مصالح إسرائيل على مصالح الولايات المتحدة. وتُعدّ (أيباك) واحدة من أكبر وأنجح جماعات الضغط في واشنطن كلها، ولكن -على عكس جميع جماعات الضغط الأخرى التي تمثل دولًا أجنبية أو شركات- لا يُطلب منها التسجيل في وزارة العدل بموجب “قانون تسجيل الوكلاء الأجانب” (FARA). وكان الرئيس الوحيد الذي أصرّ على أن تسجل إسرائيل لوبيها رسميًا هو جون ف. كينيدي، الذي اغتيل بعد فترة وجيزة من مطالبته بذلك. ومنذ كينيدي لم يحاول أي رئيس آخر إجبار “أيباك” على تسجيل نفسها كوكيل لإسرائيل.
تتضاءل الجهود الروسية للتأثير على الانتخابات الأميركية من خلال إعلانات مضللة على “فيسبوك” مقارنة بالتغلغل العميق وإتقان نظام “الدفع مقابل النفوذ” السياسي الأميركي الذي أنشأه اللوبي الإسرائيلي. وتكشف مراجعة سريعة لموقع تعقب عمل “آيباك” TrackAIPAC.com أو لتقارير “تقرير واشنطن” -وكلاهما يستخدم بيانات من موقع “أسرار مفتوحة” OpenSecrets المجمعة من تقارير لجنة الانتخابات الفيدرالية- أن كل عضو تقريبًا في مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين قد تمّ شراؤه من قبل لوبي “إسرائيل أولاً” من خلال التبرعات للحملات الانتخابية. ولكل عضو في الكونغرس “مشرف” من “أيباك”. وقد شلّ اللوبي الإسرائيلي فعليًا السياسة الخارجية الأميركية المستقلة. ويستمد البيت الأبيض، ووزارة الخارجية، والبنتاغون جميعها إشاراتها من اللوبي عندما تتعلق قرارات السياسة بإسرائيل.
تقوم “أيباك” بكتابة التشريعات التي يتم تقديمها لاحقًا كما لو أنها صادرة عن أتباعها في الكونغرس. ويتلقى أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب تعليمات من “الأصدقاء” في “أيباك” المكلّفين بهم في ولاياتهم حول كيفية وضع مصالح إسرائيل فوق مصالح الولايات المتحدة. وقد فعل جو بايدن ذلك بالتأكيد. منذ العام 1973، تلقى بايدن 5.688.069 دولارًا من اللوبي. ولكن هذا المبلغ ضئيل مقارنة بدونالد ترامب، الذي تلقى منذ العام 2016 مبلغ 230.473.622 دولارًا نقدًا من جماعات “إسرائيل أولاً” مقابل ولائه المثبت.
يجب التعامل مع مسألة التحرش الجنسي بالأطفال التي ارتكبها تجمع إبستين بطريقة جدّية وقانونية. كما يجب وضع حد لتلاعب إسرائيل بالنخب الأميركية، وشرائها للبيت الأبيض والكونغرس، وخنقها للإعلام السائد، وضغطها على مؤسسات التعليم العالي لسحق الأصوات المؤيدة لفلسطين، وسعيها الدؤوب لجعل الأميركيين يخوضون حروبها. يجب أن يتوقف ذلك الآن. لا مزيد من المواد الحربية، ولا من المساعدات المالية، ولا من الغطاء السياسي، ولا من تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل. يجب أن تنتهي هيمنة إسرائيل على الحكومة الأميركية. انتهى زمن الخداع الإسرائيلي.
*ويليام باتش William Bache: ضابط متقاعد في القوات الخاصة للجيش الأميركي، خدم في سلاح المشاة في ألمانيا وفيتنام، وعمل كضابط في هيئة الأركان العامة في وزارة الجيش الأميركية، والجيش الأميركي الثالث في منطقة القيادة المركزية الأميركية، وقيادة القوات الأميركية في أوروبا الجنوبية في إيطاليا وتركيا، والفيلق المدرع الثالث. كما خدم كمدني في أفغانستان والعراق.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: By Way of Deception: The Making and Unmaking of a Mossad Officer
