عروبة الإخباري –
في تقرير صحفي متقن وجريء، تثبت الصحفية نوال الأشقر، في تقريرها المنشور على موقع لبنان 24 حول ارتفاع الأسعار واستمرار الأزمة المعيشية رغم استقرار سعر صرف الدولار ليس مجرد مادة إخبارية، بل نموذج متكامل للصحافة التحليلية التي تجمع بين العمق، الدقة، والشفافية.
تميزت الأشقر بأسلوبها المهني الراقي، الذي يجمع بين الدقة التحليلية والوعي الإنساني، مستندة إلى بيانات البنك الدولي والإحصاء المركزي، بالإضافة إلى تحليلات الخبراء المحليين، لتقدم قراءة شاملة ومتكاملة للأزمة، توضح الفجوات بين الواقع الميداني والإحصاءات الرسمية.
وقد تميزت الأشقر بقدرتها على تقديم قراءة متوازنة للأزمة، حيث لم تكتف بعرض الأرقام والمؤشرات الرسمية، بل قامت بتحليلها وتفسيرها في سياقها المحلي والدولي، مستندة إلى آراء خبراء اقتصاديين ومصادر موثوقة. لقد استطاعت أن تُظهر الفجوات بين البيانات الرسمية والانطباعات الميدانية، مفسرةً أثر هذه الفجوات على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصًا الأسر الأكثر هشاشة، بأسلوب يجمع بين المهنية الصارمة والإحساس الإنساني العميق.
واقع الأسعار والمداخيل: مفارقة اقتصادية
رغم استقرار سعر صرف الدولار منذ أكثر من عامين عند حدود 89,500 ليرة لبنانية، لم يتمكن السوق اللبناني من تحقيق استقرار مماثل في الأسعار، خصوصًا أسعار المواد الغذائية الأساسية. تعود أسعار السلع المستوردة إلى مستويات ما قبل الأزمة، فيما بقيت الرواتب والأجور دون مستويات ما قبل الانهيار، بنسبة تتراوح بين 25 و50%، ما يضاعف الأعباء اليومية على غالبية اللبنانيين، ولا سيما الأسر الأكثر فقرًا.
مؤشرات التضخم: قراءة مزدوجة
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل التضخم في لبنان بلغ نحو 21% خلال الأشهر الأحد عشر الأخيرة، وهو من أعلى المعدلات بين الدول المصنفة ضمن فئة “الدخل المتوسط الأعلى”. بالمقابل، أعلنت إدارة الإحصاء المركزي أن مؤشر أسعار الاستهلاك لشهر أيلول 2025 ارتفع بنسبة 0.60% مقارنة بشهر آب، فيما بلغ التغير السنوي نحو 15.06% مقارنة بأيلول 2024.
هذه الفجوة بين البيانات الدولية والمحلية توضح صعوبة قياس التضخم بدقة، خصوصًا عند التمييز بين التضخم العام والتضخم الغذائي، وتأثيره على قدرة اللبنانيين الشرائية.
أسباب ارتفاع الأسعار: محلية وعالمية
حسب الباحث محمد شمس الدين، يرتبط ارتفاع الأسعار بثلاثة عوامل رئيسية:
ارتفاع الأسعار عالميًا نتيجة الأزمات والحروب وتقلبات المواسم الزراعية.
ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما انعكس مباشرة على أسعار الاستيراد.
غياب المنافسة في السوق المحلية بسبب ضعف الملاءة المالية للتجار وصعوبة الحصول على تسهيلات مصرفية، ما أدى إلى تركّز الاستيراد في أيدي عدد قليل من التجار وخلق احتكار للسلع الأساسية كالزيوت والحبوب.
ويُعزى 5% من الارتفاع إلى العوامل العالمية، و5% إلى تكاليف الشحن، و15% إلى ضعف المنافسة المحلية، ما يوضح أن الأزمة اللبنانية ليست مجرد انعكاس للارتفاع العالمي، بل ترتبط أيضًا بالهيكلية السوقية الداخلية وآليات التسعير.
تضارب في الرؤى حول التضخم الغذائي
في المقابل، يشكك رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي في دقة أرقام ارتفاع أسعار الغذاء، مؤكدًا أن بعض السلع المستوردة شهدت زيادة محدودة، مثل الزيوت التي ارتفعت حوالي 10% بسبب تقلبات سعر صرف اليورو مقابل الدولار. ويرى بحصلي أن الانطباع بارتفاع الأسعار يعود أكثر إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين وليس إلى زيادة فعلية في تكلفة السلع، بينما التضخم الحقيقي يظهر بشكل أوضح في قطاعات أخرى مثل العقارات والتعليم والصحة وأسعار المحروقات.
الأزمة أعمق من الأرقام
تكشف المعطيات أن استقرار سعر صرف الدولار لم يترجم استقرارًا في الأسعار، ولم يتمكن من ضبط السوق السوداء أو الحد من ارتفاع تكاليف المعيشة. وتظهر الأزمة المعيشية العميقة أن التركيز على الأرقام وحدها لا يكفي، إذ إن الحل الحقيقي يكمن في استعادة الثقة في النظام الاقتصادي، تعزيز المنافسة، دعم الإنتاج المحلي، وضمان عدالة توزيع الدخل بما يتماشى مع كلفة المعيشة.
وبأسلوبها الراقي، تثبت الصحفية نوال الأشقر مرة أخرى أن الصحافة المهنية ليست مجرد نقل للأحداث، بل أداة لفهم الواقع المعقد، وكشف الحقائق، وتقديم رؤية شاملة تمكّن القارئ من إدراك الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للأزمة اللبنانية.
