عروبة الإخباري –
استكمالاً لما تناولته في مقالتي السابقة بعنوان “الملحق “ب”: بند سري يُهدد السلام، حول كشف ملحق سري للاتفاق الذي أنهى الحرب على غزة، ملحق “ب”، لا بد من التوقف عند أصل الإشكال السياسي الذي قاد إلى هذه النتيجة، وهو تفرد حركة حماس باتخاذ قرارات مصيرية، دون تنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية، أو السلطة الوطنية الشرعية، أو التشاور مع بقية الفصائل، ودون اعتبار لحجم التداعيات التي قد تترتب على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والشتات، حين تفردت بقرار 7 أكتوبر، ثم بقرار الحرب، وأخيراً بقرار الدخول بمفاوضات إنهاء الحرب، بعيداً عن أيّ إطار وطني جامع.
هذا التفرد أدّى إلى ما شهده العالم أجمع من دمار واسع في غزة، وإلى استشهاد وإصابة وتشريد عشرات الآلاف من أبناء شعبنا، كما أدّى الى اتفاقية غامضة لا يعرف منها سوى الإطار العام، ليتبين لاحقاً أنّ هناك ملحق “ب” السري، وهذا يشير بالمنطق إلى أنّه طالما وجد “ب”، فلا بد أنّ هناك ملحق “أ” وربما يكون هناك ملحق “ج” و” د”، ما يثير تساؤلات حول محتوى هذه الملاحق، وما إذا كانت بنودها تخفي تفاصيل لا تصب في صالح الشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية.
لقد دعا الرئيس محمود عباس أثناء الحرب مراراً لوقف الإبادة وتوحيد الصف الوطني، مطالباً حماس بالتشاور مع بقية الفصائل، وعلى رأسها فتح، لكن حماس تجاهلت تلك الدعوات، وادّعت أنها تتشاور مع فصائل أخرى، رغم أنّ قرار هذه الفصائل ليس مستقلاً، بل مرتبط بقرار خارجي تمليه وتموله جهات خارجية.
إنّ النهج الأحادي، الذي يضع مصالح التنظيم فوق مصالح الشعب، ويقوض أيّ إمكانية لبناء مشروع وطني جامع، هو الذي آل بغزة الى ما آلت إليه، تحفظنا عن قول الحقيقة اثناء الحرب، لأنّ الظرف لم يكن مناسباً لإلقاء اللوم على الطرف المسبب.
إنّ ما جرى ليس مجرد خطأ تكتيكي، كما وصف أحد قادة حماس خسائر الإبادة الجماعية في غزة، بل إنّ ما حصل هو خلل بنيوي في إدارة القرار الوطني الفلسطيني، حيث غابت الشراكة، وغابت الشفافية، وحضرت الحسابات الفئوية والارتباطات الخارجية.
لا بد من تصحيح هذا المسار فوراً، لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للشرعية الفلسطينية، ولإعادة بناء وحدة القرار، حتى لا يبقى الشعب الفلسطيني رهينة قرارات أحادية لا تعبر عن إرادته، ولا تخدم قضيته. وإذا لم يتم ذلك، فإنّ ما بعد الحرب قد يكون أخطر من الحرب ذاتها، لأنّ الاتفاقيات الغامضة، ذات البنود والملاحق السرية، والتفاصيل غير المعلنة، لا تبني وطناً.
حماس قرّرت الحرب وحدها، وقرّرت إنهاءها وحدها، بعيداً عن الشرعية والقيادة الفلسطينية، وبعيداً عن التشاور مع الفصائل، ماذا كانت النتيجة؟ دمار في غزة، واتفاقية غامضة تحوي ملاحق سرية، الله أعلم ما محتواها.
ما حدث في غزة كشف خللاً عميقاً بإدارة القرار الوطني. التفرد بالقرار قاد إلى دمار واتفاقيات غامضة، والشعب الفلسطيني دفع الثمن. لا خلاص إلا بوحدة وطنية حقيقية، وقرار جماعي يعكس إرادة الجميع. الوحدة الوطنية ليست شعاراً نتداوله، بل ممارسة، والقرار الأحادي المنفرد لا يخدم دولة فلسطين وقضيتها، هل نتعلم الدرس قبل أن يتكرر الثمن؟!
