تلعب مؤسسات التربية والتعليم دورًا محوريًا في بناء الإنسان، ليس فقط من الناحية الأكاديمية والمعرفية، بل أيضًا من الناحية الأخلاقية والاجتماعية والنفسية. فهي ليست مجرد مؤسسات تعليمية، بل هي بيئات حاضنة لتشكيل الشخصية الوطنية وغرس القيم الإنسانية. فمن خلال الأنشطة الطلابية والبرامج الإرشادية والدعم النفسي تعمل تلك المؤسسات على بناء الانسان الواعي والمنتج مما يهيئ الطلبة لمواجهة تحديات الحياة بثقة.
وكونها المصدر الأساس للتعليم والمعرفة لا يقتصر على الحفظ، بل يشمل التفكير النقدي والبحث العلمي والابتكار وبناء شخصية الطالب من خلال تعزيز القيم الأخلاقية مثل الاحترام والتسامح وتحمل المسؤولية، كما يشكل فرصًا للتفاعل الاجتماعي بين الطلبةذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة مما يعزز التعايش السلمي. ومع ذلك، تواجه تلك المؤسسات عامة، والجامعات خاصة، تحديات عدة، من بينها ظاهرة العنف المجتمعي، سواء العنف الجسدي أو اللفظي، أو حتى العنف الإلكتروني الذي نشهده جميعا في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، والتي بدورها تشكل تهديدا خطيرا على سلامة المجتمع وبناء الإنسان القادر على المساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويمكن تلخيص أسباب العنف بالضغط والتوتر والفراغ الاكاديمي من ناحية، وتصرفات البعض العدوانية من ناحية آخرى الناتجة عن اختلاف الخلفيات الاجتماعية أو الفكرية التي تتسبب في نشوء صراعات بين الطلبة. ناهيك عن ضعف الرقابة وغياب الآليات الفعالة لمنع العنف أو التعامل معه. فمثل هذه الاختلالات تؤثر سلبا على سلوك أبناء المجتمع الواحد ولا يقتصر أثرها على الطلبة داخل الجامعات.
فتأثيرات العنف بين الطلبة تؤدي حتما إلى تدهور البيئة التعليمية مع الشعور بالقلق وعدم الأمان. كما تؤدي ربما الى الانسحاب أو الفصل. وفوق ذلك يمكن أن تؤدي الى تدمير العلاقات الاجتماعية، وخلق انقسامات وصراعات بين أفراد المجتمع الواحد رغم العلاقات الاجتماعية الايجابية القائمة فعلا. ناهيك عن تأثيرها السلبي على سمعة الجامعات مما يقلل من جاذبيتها للطلبة، خاصة غير الاردنيين، ويخفض تصنيفها الأكاديمي.
ولا يمكن هنا اعفاء الأسرة والمجتمع من دورهم في نبذ هذه الظاهرة واسناد دور المؤسسات في محاربتها. فللأسرة والمجتمع دور تكاملي مع مؤسسات التربية والتعليم في بناء الإنسان، فالأسرة مطالبة بأنتقوم بدور تربوي يغرس المبادئ الأخلاقية في أبنائها منذ الصغر مما ييسر على تلك المؤسسات تعزيز هذه القيم وتنميتها. أما المجتمع، فعليه توفير البيئة الاجتماعية والثقافية التي تؤثر ايجابا على سلوك الطالب وتوجهاته. وبالتالي، فان التعاون بين الأسرةوالمجتمع من جهة، والمدرسة والجامعة من جهة أخرى يشكل شبكة تكاملية في بناء إنسان متوازن قادر على مواجهة تحديات الحياة بوعي ومسؤولية.
وهنا يتحتم العمل معا على بناء الإنسان الايجابي من خلال توفير بيئة آمنة ومحفزة وسياسات واضحة لمكافحة العنف مثل تعزيز وسائل التوعية والتثقيف حول أهمية التسامح وإدارة الغضب وحل النزاعات بطرق سلمية. كما يمكن توفير خدمات إرشادية ونفسية للطلبة لمساعدتهم على التعامل مع الضغوط والمشاكل الشخصية وتشجيع المشاركة في الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية التي تعزز الروح الجماعية. ويجب الا تهمل المؤسسات تدريب الكادر الأكاديمي والإداري على كيفية التعامل مع حالات العنف بشكل فعال وعدم الاحتكام للعقوبات التأديبية كحل.
ولتحقيق هذا الهدف، يتطلب بذل جهود مشتركة بين الإدارات والأساتذة والأسرة والمجتمع وتبني سياسات واضحة تعزز الوعي وتوفر الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة. فالجهود الجامعة هي الاقدر على أن تلعب دورًا فاعلًا في بناء الإنسان القادر على العطاء والإبداع.فبناء مستقبل أكثر استدامة يتطلب عدم تخلف الجميع عن الاسهام في خدمة المجتمع والتعاون في سبيل بناء الانسان الأردني الواعي والمنتج.
إذ تكمن أسباب هذا التراجع ونتائجه في ضعف الشراكات مع الأسرة والمجتمع والاعتماد المفرط على التعليم التقليدي والعقوبات الجمعية، فالمؤسسات التعليمية مطالبة بالتشبيك خارج اسوارها من ناحية، ومواكبة النشأة الفكرية للطلبة وتجنيبهم الفراغ الفكري والثقافي الذي يعانون منه. وبالتالي فان أغلب ما نحتاجه اليوم هو القيام بمراجعة جذرية لدور المؤسسات التربوية وخاصة الجامعات، وتهيئة البيئة الدراسية بمنح مساحات آمنة للحوار واحترام الرأي الآخر والشعور بالمسؤولية وتغليب الانتماء والايمان بالوطن في اطار وطني جامع يشكل بديلا عن الهويات الفرعية.
