ليس الكتاب ولا مؤلفه بحاجة إلى شهرة. ولا أصوات انتخابية ستأتيه من الأردن! السناتور جون كينيدي، عضو مجلس الشيوخ المخضرم المشهور في خفة ظله ولسانه اللاذع في التقريع السياسي الساخر، قدّم كتابا للقراء في أمريكا من فرغت للتو من قراءته «من الجلدة للجلدة» قبل أن ترى هذه السطور النور وقبل ثلاثة أسابيع من توفر نسخته الورقية في الأسواق، والشكر موصول لاختراع «كِندِل» التي أوقدت كما من اسمها شعلة المولعين بالقراءة بجميع أشكالها بما فيها الإلكترونية وقبل وقت كبير من توفر نسخ الكتاب -التي لا غنى عنها- في المكتبات والمعارض.
اسم الكتاب صادم في سخريته السياسية وهو المطلوب أحيانا. اسمه حمل عنوانا طويلا: كيف تكون نتائجك سلبية في اختبار الغباء، ولماذا واشنطن لن تكون أبدا! سأكرس بعون الله -إن سمحت الأخبار الطاغية- مقالة أخرى وربما أكثر، للوقوف على أهم ما فيه فيما يخص السلطة التشريعية (خاصة مجلس الشيوخ) وعلاقاتها مع بقية السلطات، بما فيها تلك الرابعة «صاحبة الجلالة الصحافة»، والناخب «دافع الضرائب» الأمريكي.
ما لفت انتباهي تسمية كيندي غير المسبوقة لإحدى لبِنات الهيكل الانتخابي والتنظيمي في الولايات الخمسين ألا وهي المقاطعة. مقاطعة لاوْدِن بضواحي العاصمة واشنطن، وحدها قلبت نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة على مستوى حاكم الولاية. صارت فيرجينيا ولاية جمهورية انتصارا لأب تعرضت فلذة كبده لاعتداء جنسي في مدرسة من قِبل طالب ذكر، زعم أنه أنثى!
ديموقراطية أمريكا واللامركزية في جميع مناحي الحياة، جعلت للمقاطعة قوة حاسمة، حتى تقنيا واقتصاديا وأمنيا. دون الدخول في تفاصيل، ثمة مقاطعات في ولايات، تقوم قوة وشهرة الولاية كلها، استنادا على مدينة واحدة أو حتى بلدة في مقاطعة.
نعود إلى الكتاب وصاحبه، وهنا أتحدث عنه كمؤلف أكثر من كونه «سناتورا» أو من قبل مدعيا عاما ومحاميا ومن ثم أستاذا جامعيا في القانون، أبدى ولعا خاصا بالقانون الدستوري. كينيدي -ولا صلة قرابة بينه وبين الرئيس الأسبق «جيه إف» كينيدي- ينحدر أيضا من أصول إيرلندية يعتز بها، في إطار كونه أمريكيا أولا ودائما. كينيدي جمهوري محافظ، كان قد تحول من الحزب الديموقراطي إلى الجمهوري عام 2007، وهو مسيحي بروتستانتي، تحول من الكنيسة المَشْيَخيّة «بْرِسبِتيريان» إلى «مِثُدِست» (الكنيسة المنهجية أو المِثودية)، إحدى أبرز كنائس البروتستانت في أمريكا. يعتز جون بأنه مسكون في عشق ولايته لويزيانا ومقاطعته «زاكاري» التي يسافر إليها أسبوعيا من العاصمة واشنطن. يقول في كتابه أن المقاطعات في ولايته لها اسم آخر هو «الأبرشية»، وهي في التنظيم الكنسي الرعوي عبارة عن مجموعة من المؤمنين التابعين من حيث الرعاية لكاهن برتبة مطران أو أُسقف، ولا يعلوه مرتبة سوى البطريرك أو الكاردينال، ومن ثم بابا الفاتيكان، رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم.
جميل أن يرى المسؤول خاصة من أوصله الناس إلى «البرلمان-الكونغرس»، أن يرى المنطقة التي أوصلته للمناصب العليا في أي سلطة كانت، ليست مسقط الرأس أو مرتع الصبا فقط أو حيث الأهل والعشيرة، بل أخويّة روحية، يترتب عليها مسؤولية مستدامة لا تنقطع بعد الاقتراع!
في المِخيال الشعبي، أعطى الفساد اسما سيئا للمنصب، تم تشبيهه بالإرث الإقطاعي، وكنيدي من الأثرياء الذين ورثوا أراضٍ زراعية شاسعة. لم يعتبر مقاطعته «مزرعة»، بل أبرشية، وتلك صورة جميلة ومثال في غاية الرقي والسموّ للعلاقة بين الناخب والمنتخب، والسائل والمسؤول..
لم أزر لويزيانا بعد، لكن إن فعلت يوما ما سأنظر في «زاكاري» وأتأمل إن كانت فرصة لتآخيها مع أبرشية أردنية! أو ليست هناك مؤاخاة بين المدن لغايات الترويج السياحي؟ كلي ثقة، أن السيناتور جون كينيدي سيلقى الترحاب في مادبا مثلا، حيث يوحنا المعمدان (يحيى ابن زكريا)، عليهم السلام أجمعين، أحبتنا الأنبياء والأولياء، والرسل والقديسين كافة.
شكرا لبريدنا الوطني الأردني على إصداره الحديث، مجموعة طوابع مكرسة لقديسي الأردن الاثني عشر، وقد ترأسها، طابع لمن عمّد السيّد المسيح في نهر أردننا المقدس، يوحنا المعمدان، على ضفافنا الشرقية حيث بدأت المسيرة وكان العبور إلى العالم كله، لمن وصفهم وأوصاهم يسوع الناصريّ بأن يكونوا «نور العالم وملح الأرض». قد تكون المجموعة هدية جميلة، ردا لجميل مؤلف جميل لكتاب جميل.
